لا أحد يستطيع اليوم إنكار أن واقع الكهرباء تحسن مقارنة بما كان عليه، سواء لجهة زيادة ساعات التغذية أو انخفاض فترات التقنين، وهو تحسن مهم ينتظره المواطن منذ سنوات، ومن الطبيعي أن ينظر إليه بإيجابية.
لكن المشكلة أن تحسين الخدمة لا يلغي مشكلة كلفتها، بل ربما يجعل السؤال أكثر إلحاحاً: هل أصبح المواطن قادراً على تحمل فاتورة الكهرباء الجديدة؟
خلال الأيام الماضية تحدثت مع أكثر من موظف وموظفة اضطروا إلى سحب سلفة على الراتب لتسديد فاتورة الكهرباء، فيما خصص أحدهم راتبه التقاعدي لهذه الغاية… سألتهم ببساطة: استطعت أن تدفع هذه الفاتورة، لكن ماذا ستفعل في المرة القادمة؟
السؤال لم يكن عن القدرة على دفع فاتورة واحدة، بل عن قدرة الأسرة على الاستمرار في دفعها شهراً بعد شهر، في وقت لم تتغير فيه دخول غالبية الموظفين والمتقاعدين بما يتناسب مع الارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة.
عندما تتحسن التغذية الكهربائية، من الطبيعي أن ترتفع كمية الاستهلاك لدى بعض الأسر، ومن الطبيعي أيضاً أن ترتفع الإيرادات اللازمة لتمويل قطاع الكهرباء وتأمين الوقود والصيانة والاستثمار، لكن تحميل المواطن كلفة التحسن من دون النظر إلى مستوى دخله قد يحول الخدمة المحسنة إلى عبء معيشي جديد.
المشكلة الأساسية اليوم تكمن في الفجوة الكبيرة بين الرواتب والأجور من جهة، وبين تكاليف الحياة من جهة أخرى، فالمواطن الذي يخصص الجزء الأكبر من دخله للغذاء والسكن والنقل والدواء، لا يملك هامشاً مالياً واسعاً لاستيعاب فاتورة كهرباء مرتفعة، حتى لو كانت ساعات التغذية أفضل بكثير.
وهنا تصبح السلفة على الراتب مؤشراً يستحق التوقف عنده، لأن المواطن عندما يقترض من دخله المستقبلي لتسديد فاتورة استهلاك حالي، فهذا يعني أن المشكلة لم تعد في الفاتورة وحدها، بل في القدرة الشرائية نفسها.
في المقابل، لا يمكن معالجة المشكلة ببساطة عبر تثبيت تعرفة منخفضة للجميع، لأن ذلك يعني استمرار الضغط على مؤسسة الكهرباء، وربما عودة مشكلات الإنتاج والتوزيع والتمويل.
الحل الأكثر عدالة هو إعادة تصميم التعرفة وفق شرائح استهلاك منطقية ليس كالمعمول به حاليا، بحيث تكفي الاحتياجات الأساسية اللازمة للإنارة وتشغيل الأجهزة الضرورية بتكلفة مقبولة، بينما ترتفع التعرفة تدريجياً مع زيادة الاستهلاك، ومن الضروري أن تكون هناك شريحة حماية حقيقية للأسر ذات الاستهلاك المنخفض والدخل المحدود.
كما يمكن اعتماد آلية دعم موجه بدلاً من الدعم الشامل، بحيث تحصل الأسر الأكثر هشاشة على تخفيض مباشر في الفاتورة، وفق معايير واضحة بمناطق السكن فمن غير المنطقي أن يتساوى سكان وسط المدينة والمناطق الفارهة مع ساكني مناطق المخالفات مثلاً، فمن غير العدل توزيع الدعم على الجميع بالتساوي، بمن فيهم القادر وغير القادر.
لكن أي معالجة لفاتورة الكهرباء ستبقى جزئية إذا لم تترافق مع معالجة أصل المشكلة وهو ضعف الدخل.
فلا يمكن مطالبة المواطن بتسديد فواتير متزايدة، وشراء الغذاء والدواء، ودفع أجور النقل والسكن، فيما يبقى راتبه منفصلاً عن واقع الأسعار، فمن الضروري أن يتم وضع سياسة متدرجة لتحسين الأجور بالتوازي مع ضبط الأسعار وزيادة الإنتاج وتحسين الإيرادات العامة.
وقد يكون من المفيد أيضاً اعتماد أنظمة تقسيط للفواتير المرتفعة، ومنح مهلة للسداد في الحالات الاجتماعية الصعبة، مع تشجيع تركيب العدادات الذكية التي تساعد المواطن على معرفة استهلاكه والتحكم به، وتساعد مؤسسة الكهرباء على الحد من الهدر وتحسين التحصيل.
تحسن الكهرباء إنجاز ينبغي الحفاظ عليه وتطويره، ويجب أن يتزامن نجاح تحسن أي سياسة خدمية بقدرة المواطن على تحمل كلفتها، فإذا تحسنت الكهرباء، وارتفعت الفاتورة، وبقي الراتب على حاله، فإن جزءاً من المشكلة سينتقل من التقنين إلى القدرة على الدفع.
ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يرافق أي تعديل في تعرفة الكهرباء ليس فقط: كم يكلفنا الكيلوواط الساعي؟ بل أيضاً: كم يستطيع المواطن أن يدفع؟
الكهرباء خدمة أساسية، وتحسينها يجب أن يخفف أعباء المواطن لا أن يستبدل أزمة التقنين بأزمة الفاتورة، والحل العادل لا يكون بتحميل المواطن كامل كلفة الإصلاح، ولا بإبقاء التعرفة منفصلة عن كلفة الإنتاج، وإنما بتحقيق توازن يحمي الفئات الأضعف، ويضمن استدامة قطاع الكهرباء، ويربط كلفة الخدمة بقدرة الناس على تحملها.





