المزيد

‫آخر الأخبار:‬

الصحفي والسوشيال ميديا… شاهد أم طرف؟

‫شارك على:‬
20

القاعدة العامة المشتركة أن المؤسسة الإعلامية لا تطلب من محرريها تبني سياستها التحريرية في حساباتهم الشخصية، لكنها تمرر الرسالة بلطف أكثر: «وجوب ألا يتعارض ما ينشرونه مع مقتضيات المهنة».

السياسة التحريرية للمؤسسة تقول: كيف نغطي الخبر؟ ما المصادر المقبولة؟ كيف نعنون؟ كيف نوازن؟ وما قواعد الدقة والإنصاف والتوازن والحياد؟

لكن المسألة في سوريا اليوم أبعد من قواعد مكتوبة. ففي مرحلة انتقالية مزدحمة بالأحداث والانقسامات والحملات، تتداخل حدود الصحفي والناشط، ويصبح الامتناع عن المشاركة موقفاً «إشكالياً» في نظر البعض، وتوقع المشاركة الصحفي في متاهات الحملات اليومية، بعجرها وبجرها، وتحرفه عن مساره المهني.

قد تسمح بعض المؤسسات لصحفييها بهامش أوسع في قضايا بعينها، لكن ذلك يبقى استثناء محسوباً، لا قاعدة مهنية توجب على الجميع المشاركة في الحملات تأييدًا أو معارضة.

الحسابات الشخصية للصحفيين على وسائل التواصل الاجتماعي لا تنفصل تماماً عن قناعة الجمهور بالمؤسسة ومواقفها، فكيف يمكن أن نفصل دائماً بين موقف الصحفي وموقف المؤسسة؟

المشهد السوري أكثر تعقيداً وإثارة للأسئلة. لا أحد يقول لك: يمنع «التغريد» في قضية مطروحة أمام الرأي العام، على كثرتها وانفجارها اليومي، لكن من المهم التقاط حساسية الجمهور، فقد تفهم تغريدة رئيس التحرير أو المحرر على أنها موقف عام للمؤسسة، وانحياز واضح لمصلحة طرف دون الآخر.

إنهم يغردون في المؤسسات العربية والدولية.. نعم، صحيح.

الفارق أن الصحفي السوري لا ينظر إلى الحدث من خارجه. هو ابن المدينة والحي والعائلة والذاكرة نفسها، وقد يعرف الضحية والمسؤول والناشط، وربما عاش الحدث الذي يغطي امتداداته اليوم، لذلك تصبح المسافة المهنية أصعب، لكنها أكثر ضرورة.. فلا هو مع الحكومة ولا مع الشارع، وتغطيته المهنية قد تقول أكثر مما تقوله تغريداته، بينما الصحفي والمؤسسة العربية أو الدولية يأخذان الجغرافيا السورية «بكج»: شارع أو حكومة.. هوامش الخطأ واسعة، وارتداداتها غير مهمة، وتمثيلها لفكرة الشارع مجتزأ. ما أسهل النقد والتحليل والتغريد والتعليق على قضايا العالم، بينما سيقول لك عشرات السوريين.: هذا لا يمثلنا، منطقتنا ليست بهذا الموقف. هذا جزء مهم من الشارع لا يمكن إغفاله.

هل «التغريد» قرار الصحفي منفرداً؟

حتى اللحظة، الأمور متداخلة. أحياناً، داخل المؤسسة نفسها بتراتبيتها الوظيفية، من يريد منك المشاركة بتغريدة، من دون دراية بأنه يمهد لتنميطك وانحيازك لاحقاً. وأحياناً، الجمهور المتعطش لرأيك المباشر يسألك صباح مساء، ويريد موقفك لا خبرك وتقريرك وتغطيتك الصحفية.

في سوريا اليوم، تكاد كل قضية تحمل معها امتحاناً جديداً للصحفي: أين تقف؟ لماذا لم تعلق؟ لماذا لم تشارك؟ لماذا لم تدن؟ ولماذا غطيت هؤلاء ولم تغط أولئك؟

كلما تعثرت شاة في حوران، تنطع البعض بالقول: أين الصحافة؟ وكلما قصرت أجهزة الحكومة في جانب خدمي، أعيدت الصيحات، وإن متفرقة، في الجزيرة السورية أو حمص أو حلب.

كلما تأخرنا عن الاستجابة والمشاركة نشعر باللوم، وسياط القوم تنهب أجسادنا.

وعلى رأي البعض، كأن قدر الصحافة والصحفي السوري في هذه المرحلة: «لا طال عنب الشام ولا بلح اليمن».. الكل يريده تابعاً لا مستقلاً، حليفاً في السراء والضراء، لا شاهداً ومشرّحاً وناقداً لكل مشهد يسيء إلى البلد وأهله.

حسناً.

«بدنا العنب أم الناطور»؟ نريد الخبر والتقرير والتغطية والأسئلة والتحقيقات، أم تحويل الصحفي إلى ناشط يغرد معنا ويشارك في الحملات والاصطفاف وتبادل اللوم؟

خبر الصحيفة و«مانشيتها» جهد لجميع العاملين فيها، أهم وأشمل وأعمق من التعليق والتغريدات المجتزأة والمتبنية لموقف.

من حق الجمهور والسياسي والمتضرر ولوج شبكات التواصل. هي فسحة مهمة، وبداية لكرة الثلج، وتنبيه ورسالة للصحفي والمؤسسة، فهما لا يحيطان علماً بكل المجتمع وقضاياه، لكن تشكيلة من «التاغات»، بدافع إجبار الصحفي على المشاركة بمثلها، توقع الجميع في إشكالية تغيّب دور الراصد والناقل والمدقق، وتفقد الصحفي مساحة الحياد، وتوقعه في انحياز سيحسب عليه غداً.

في الحالة السورية تحديداً، لا ينتهي أثر هذا الانحياز بانتهاء الحملة.. فتغريدة اليوم قد تستحضر غداً عند تغطية حادثة جديدة، أو عند محاولة الوصول إلى طرف آخر، أو حين يسأل الجمهور إن كان الصحفي ينقل ما يراه أم ما يوافق موقفاً سبق أن أعلنه.

تفهم حاجة الجمهور إلى رافعة وتأثير الصحفي عبر المشاركة بالسوشيال ميديا لا يعفيه من مسؤولياته المجتمعية، وأولها أن يعمل الجمهور والنشطاء أنفسهم على توسيع قاعدة التشبيك والتنظيم فيما بينهم، ومع أبناء الشارع والحي والمدينة. عندها تتحرك الصحافة من دون «تاغ» للصحفي والمؤسسة، لأن شروط مشاركتها تكون قد تحققت: جمهور حاضر، تنظيم، وقفة، بيان.

إذا أردت للصحفي أن يكون نصيراً لقضيتك أو موقفك أو مشروعك، فعليك أن تبدأ هناك، في بيئتك، وليس عنده. الصحفي تغريه التجمعات والبيانات الموقعة والقوى المؤثرة مجتمعياً.. ينقل عنها، يحمل همومها، ويصيغ رؤاها، فإن لم تكن موجودة، فلماذا يُلام الصحفي؟

هل قيّدنا بذلك حرية الصحفي؟ أبداً.

فحرية الصحفي حق، لكن استقلاله أيضاً حق للجمهور.. وديمومته وقدرته على الوصول إلى جميع الأطراف ضمانة للمجتمع، لا امتياز له وحده.

والتجربة السورية تقول؛ إن المسألة لا تخص التغريدات فقط. الإعجاب، وإعادة التغريد، والمشاركة في حملة، والتوقيع على بيان، والصورة من مظاهرة، كلها قد تبدو أفعالاً شخصية صغيرة، لكنها تراكم صورة عامة عن الصحفي وموقعه.

إذاً المطلوب ليس صحفياً بلا رأي، ولا صحفياً منزوع المشاعر، بل أن يكون صحفياً يعرف متى يكون رأيه إضافة، ومتى تصبح المسافة المهنية أكثر قيمة من إعلان الموقف، لأن المجتمع قد يكسب ناشطاً بتغريدة، لكنه قد يخسر صحفياً يستطيع غداً أن يدخل إلى كل الأبواب، ويسأل جميع الأطراف، وينقل ما لا يستطيع الناشط الوصول إليه.

في مرحلة سورية شديدة الاستقطاب، ربما تكون أهم خدمة يقدمها الصحفي لقضية يؤمن بعدالتها، ألا يتحول إلى طرف فيها، بل أن يبقى قادراً على روايتها كاملة.

دعوه يأخذ استراحة فارس، فقد غرّد وشارك واشتبك طوال سنوات الثورة.. يحتاج اليوم أكثر إلى لحظات هدوء واندماج في مؤسساته، لا إلى وضع جدران جديدة، وتهيئة البنى اللازمة ليكون نصيراً لقضيتك تتوقف على دور المجتمع، لا على كثرة حضور الصحفي عبر السوشيال ميديا.

إن كان من نصيحة لنفسي، قبل غيري: «فلا تغرّدوا» ما استطعتم إلى ذلك سبيلاُ.

أو لا تجعلوا التغريد بديلاً عن مهنتكم، ولا تسمحوا للحملات بأن تحدد لكم متى تتكلمون وأين تصطفون؟

الصحفي لا يصنعه ذلك. ثمة جهد متواصل، وتفكير، وتقاطعات، وبناء للخبر والقصة والتحقيق والتقرير والزاوية، يمكن أن تقول لمن يسأل: أين تقف؟