يمثل اعتماد نظام الدفع والتحويل الإلكتروني بالقرار رقم /1124/ لعام 2026 خطوة تتجاوز تنظيم شركات الدفع إلى محاولة بناء إطار مؤسسي لمنظومة مالية رقمية متكاملة، فالنظام لم يكتفِ بتحديد أنشطة الدفع والتحويل الإلكتروني، بل حرص على تنظيم الترخيص والرقابة، وحماية أموال العملاء، كما أنه يضع قواعد للعمولات، والأمن السيبراني، ومكافحة غسل الأموال، وحماية البيانات، ويفتح في الوقت نفسه الباب أمام الابتكار من خلال “المختبر التنظيمي”.
اقتصادياً، تكمن أهمية الخطوة بأن التحول من النقد إلى المدفوعات الإلكترونية يمكن أن يخفض تكلفة تداول الأموال، ويسهل تتبع العمليات، ويرفع كفاءة التسويات بين المنشآت، ويدعم الشمول المالي، كما أن وجود إطار واضح للترخيص قد يساعد على انتقال نشاط الدفع من حلول متفرقة إلى سوق أكثر انتظاماً وقدرةً على جذب استثمارات وخدمات جديدة.
إذاً، المتاح اليوم، هو الإطار التنظيمي، حيث إن القرار يحدد مجموعة واسعة من الخدمات، من أدوات الدفع والحوالات إلى النقود الإلكترونية وخدمات بدء الدفع ومعلومات الحساب، ويمنح المصرف المركزي دوراً محورياً في الترخيص والإشراف والرقابة، كما أن إلزام الشركات بفصل أموال العملاء عن أموالها، والإفصاح الواضح عن الرسوم، ومعالجة الشكاوى خلال 15 يوم عمل، وتوفير الحماية من العمليات غير المصرح بها، يمكن أن تشكل كلها أساساً مهماً لبناء الثقة.
لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد صدور القرار، فوجود التشريع لا يعني تلقائياً وجود اقتصاد رقمي، إذ إن نجاح المنظومة يحتاج إلى بنية اتصالات مستقرة، وأنظمة دفع موثوقة، وانتشار واسع للأدوات الإلكترونية، وقدرة الشركات على الاستثمار في الأمن السيبراني والتدقيق المعلوماتي والامتثال.
كما أن متطلبات رأس المال والحوكمة ومكافحة غسل الأموال قد ترفع تكلفة دخول السوق، وهو أمر ضروري رقابياً، لكنه قد يتحول إلى عائق إذا لم يتناسب مع حجم السوق وقدرة الشركات الناشئة على الاستثمار.
وهنا تبرز معادلة دقيقة: كيف نحمي النظام من المخاطر من دون أن نقتل المنافسة والابتكار؟
والحل لا يكمن في تخفيف الرقابة، بل في جعلها رقابة متدرجة قائمة على المخاطر، فالشركات والخدمات ذات المخاطر المحدودة ينبغي ألا تُعامل بالمتطلبات نفسها المفروضة على الأنشطة الأكثر تعقيداً أو حساسية، كما يمكن للمختبر التنظيمي المنصوص عليه في القرار أن يتحول إلى أداة عملية لاختبار المنتجات الجديدة قبل طرحها على نطاق واسع.
في المقابل، يحتاج السوق إلى شفافية أكبر في تكلفة الدفع… صحيح أن القرار يمنح المصرف المركزي صلاحية تحديد الحدود القصوى للعمولات ويمنع الرسوم المخفية، لكن نجاح ذلك يتطلب نشر رسوم واضحة وقابلة للمقارنة، حتى لا تتحول تكلفة التحول الرقمي إلى عبء جديد على التاجر والمستهلك.
أما التحدي الأكبر فهو الثقة، فالمواطن لن يترك النقد لمجرد وجود نظام قانوني، وإنما سيفعل ذلك عندما يطمئن إلى أن أمواله محمية، وأن بياناته آمنة، وأن عملية الدفع تعمل باستمرار، وأن لديه جهة واضحة يلجأ إليها عند حدوث خطأ.
لذلك، فإن نجاح القرار لن يكون معياره عدد شركات الدفع المرخصة، بل عدد العمليات الإلكترونية الفعلية، واتساع قاعدة المستخدمين، وانخفاض تكلفة المعاملات، ومستوى الثقة والأمان.
القرار وضع القاعدة التنظيمية، أما بناء اقتصاد أقل اعتماداً على النقد، فهو اختبار التنفيذ.





