المزيد

‫آخر الأخبار:‬

العزلة انتهت.. والمعركة الاقتصادية بدأت

‫شارك على:‬
20

رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب بعد 47 عاماً من التصنيف يفتح صفحة اقتصادية مختلفة تقاس قيمتها  الحقيقية بقدرة الاقتصاد السوري على تحويل هذا الانفتاح إلى أموال واستثمارات وإنتاج وفرص عمل.

إزالة أحد أهم الحواجز القانونية أمام التعامل مع سوريا تعني أن الباب الخارجي أصبح أوسع، لكن الدخول إلى الاقتصاد العالمي يحتاج إلى مؤسسات قادرة على فتح هذا الباب والاستفادة منه.

المشكلة أن الاقتصاد السوري يخرج من عزلة طويلة راكمت مخاطر وتكاليف وثقافة حذرة لدى المصارف والشركات الدولية، ولذلك فإن عودة العلاقات المصرفية لن تحدث بكبسة زر، وكذلك الاستثمارات لن تتدفق تلقائياً بمجرد صدور القرار.

المصارف الأجنبية ستحتاج إلى إعادة تقييم المخاطر، والتأكد من أن المصارف السورية قادرة على تطبيق معايير الامتثال ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتتبع مصادر الأموال، بينما يحتاج المستثمر إلى بيئة قانونية مستقرة وقضاء تجاري فعال وضمانات واضحة للملكية والعقود.

وهنا تبدأ المعركة الاقتصادية الحقيقية فالقطاع المصرفي يجب أن يكون أول القطاعات التي تخضع لعملية تحديث عميقة، تبدأ بالأنظمة والبرمجيات ولا تنتهي عند الكوادر البشرية.

المطلوب هو مصرف مركزي قادر على إدارة مرحلة الانفتاح، ومصارف تجارية قادرة على التعامل مع شبكات المراسلين الدوليين، وتطوير أدوات التمويل والائتمان، واستعادة الثقة التي فقدتها الأسواق خلال عقود.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل الانفتاح المالي عن الإصلاح الاقتصادي، فالمستثمر الذي يجد مصارف أكثر كفاءة لكنه يواجه إجراءات معقدة، أو تشريعات غير مستقرة، أو ضعفاً في حماية حقوقه، لن يحول الفرصة السياسية إلى قرار استثماري.

لذلك تحتاج سوريا إلى تبسيط بيئة الأعمال، ورفع مستوى الشفافية، ومكافحة الفساد الإداري، واستقرار السياسات الاقتصادية والنقدية.

أما إعادة الإعمار، فهي الاختبار الأكبر لحسن استثمار القرار، فسوريا تحتاج إلى مئات مليارات الدولارات لإعادة بناء بنيتها التحتية وقطاعاتها الإنتاجية، ولا يمكن تأمين هذه الموارد من مصدر واحد.

المطلوب مزيج من الاستثمار الأجنبي، والتمويل التنموي، والشراكات، ورؤوس الأموال السورية في الخارج، مع توجيه الأموال نحو الطاقة والنقل والصناعة والزراعة والاتصالات، وليس نحو المضاربة العقارية والاستهلاك.

والأهم أن يكون الهدف أبعد من إعادة ما تهدم، فمرحلة الانفتاح يمكن أن تكون فرصة للانتقال من اقتصاد يبحث عن تمويل للبقاء إلى اقتصاد ينتج ويصدر وينافس، حيث إن الاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والصناعات ذات القيمة المضافة يمكن أن يمنح سوريا موقعاً مختلفاً في المنطقة، شرط الاستثمار أولاً في الإنسان والبنية التحتية والتعليم.

لذلك، فإن رفع التصنيف يمثل فرصة تاريخية، لكنه في الوقت نفسه يرفع سقف المسؤولية.

العالم قد يصبح أكثر استعداداً للتعامل مع سوريا، لكن المستثمر لن يأتي بدافع التعاطف، والمصرف لن يفتح حساباً بدافع السياسة، والتمويل لن يتدفق من دون ثقة، فالثقة هي المنتج الاقتصادي الذي يجب أن تبنيه سوريا خلال المرحلة المقبلة.

القرار أزال جزءاً مهماً من الجدار، أما تحويل هذه اللحظة إلى نمو مستدام فيحتاج إلى إصلاحات سريعة ومنظمة، ومؤسسات أكثر كفاءة، وقطاع مصرفي حديث، وبيئة استثمارية واضحة، وسياسة نقدية مستقرة، عندها فقط يمكن القول: إن سوريا لم تخرج من العزلة قانونياً فحسب، بل بدأت فعلياً بناء اقتصاد جديد قادر على استثمار موقعها الجغرافي ومواردها البشرية والعودة إلى دورة التجارة والاستثمار العالمية.