سبعة وأربعون عاماً ليست “شربة مي”، ولا قراراً عابراً يمكن المرور عليه في شريط الأخبار، تركة ثقيلة ورديئة أثقلت الورثة، و”كبتت” على صدر الاقتصاد والاجتماع والسياسة في الحياة السورية.
منذ عام 1979 بقي اسم سوريا على القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب. تغير رؤساء في واشنطن، وتراكمت العقوبات والعزلة، وبقي الاسم في مكانه، حتى جاء الرابع والعشرون من آب 2026 ليطوي واحداً من أثقل ملفات العزلة السورية وأطولها عمراً.
حسناً… الخبر معروف، والاحتفال مفهوم، لكن الأهم ليس فقط ما جرى في واشنطن، بل كيف وصلت دمشق إلى “قطف ثمارها” من عمر العهد الجديد، القصير نسبياً والمثقل أصلاً بمشهد داخلي وإقليمي وعالمي بالغ التداخل والتشابك والتعقيد.
فالسياسة الخارجية للدول لا تقاس بعدد الزيارات والصور والمصافحات، ولا بعدد الأعلام المرفوعة خلف المسؤولين. “العبرة بالخواتيم”، وامتحان الدبلوماسية الحقيقي هو ما تعيده معها إلى بلدها من نتائج ومصالح وفرص.
فمنذ الأيام الأولى بعد التحرير، وضعت القيادة السورية الجديدة ملف رفع العقوبات وكسر العزلة في مقدمة خطابها الخارجي.. لم يكن الأمر “ترفاً دبلوماسيًا”، فالدولة الخارجة من حرب طويلة واقتصاد منهك وبنى تحتية مدمرة، لا تستطيع أن تطلب استثمارات وتحويلات وعودة شركات ورؤوس أموال، بينما المصارف والمستثمرون ينظرون إلى عشرات القوانين والعقوبات والتصنيفات ويسألون محاميهم قبل أن يسألوا عن فرص الاستثمار.
دائماً كان السؤال مع وصول الوفود السياسية والاستثمارية إلى العاصمة دمشق، إن كانت القوانين المحلية تشجع وتكون القاطرة، أم ثمة “عربات” لا يمكن السير على السكة دونها. وخلف الكواليس وبهجة الاحتفالات، يبدو أن صانع القرار السوري كان يتجه ويحطّ مشروعاته للمضي خارج الصورة، بهدوء ومنهجية وصبر ونقاش ومفاوضات وشركاء، يطرق أبواب العواصم.
باريس، بروكسل، الرياض، أنقرة، نيويورك، واشنطن…
أن تعلن باريس والرياض عن مجلس أعمال بالشراكة مع دمشق بالتزامن مع إزالة سوريا من تصنيف واشنطن، يعني في أحد أوجهه أن ثمة فريقاً يواصل ويتابع ويريد وينجح.
الأمور ليست “بالتسطيح” الشائع.. الدول ليست جمعيات خيرية تهدي المواقف والتبرعات، خصوصا أن الحالة السورية تحت “المراقبة المجهرية”. الأميركيون وضعوا شروطهم ومطالبهم، من مكافحة الإرهاب إلى ملفات الأسلحة الكيميائية والمقاتلين الأجانب والأمن والاستقرار الإقليمي. والأوروبيون كانت لديهم مخاوفهم وشروطهم، ولكل دولة مصالحها وحساباتها. هذه سياسة، ومن ينتظر من الدول أن تحبه “لسواد عيونه” سيطول انتظاره.
أهمية القرار ليست في آثاره المستقبلية فقط، إنه يستكشف ذهنية الدبلوماسية السورية، وقدرتها على معرفة ما الذي تريده لسوريا المستقبل، وما الذي يريده الآخر، وما الذي تستطيع تقديمه من دون التفريط بالمصالح الوطنية، ومن يستطيع مساعدتك في فتح الباب المغلق.
كل هذه “التشابكات” تحضر في خلفية القرار الصادر عن واشنطن، وقبلها باريس.. نسج التحالفات القوية والصحيحة أحد أبواب “القطاف”.
فالسعودية لم تكن متفرجاً في هذا المسار، وتركيا لم تكن كذلك.. إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الرياض في أيار 2025 عزمه على رفع العقوبات جاء بعد جهود ومباحثات كان لولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان دور واضح فيها.
ومنذ تلك اللحظة بدأت أحجار الدومينو تتساقط واحدة بعد أخرى.
تخفيف العقوبات، ثم إنهاء برنامج العقوبات الأميركية الشامل، والتحرك الأوروبي، وتفكيك قيود قانون قيصر، وفتح أبواب سياسية كانت موصدة، وصولاً إلى زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى البيت الأبيض، ثم إزالة “هيئة تحرير الشام” من التصنيفات الأميركية، وأخيراً الوصول إلى العقدة “الكأداء” منذ عام 1979، المتمثلة بتصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب.
قد تبدو هذه التفاصيل القانونية ثقيلة على القارئ، ومن حقه تكرار السؤال: “ألم ننته بعد؟”.
من يستثمر في دولة مصنفة أميركياً راعية للإرهاب؟ التصنيف لا يعني سطراً على موقع وزارة الخارجية الأميركية وحسب. خلفه مصارف تخشى من التحويل، وشركات تحسب المخاطر، ومستثمر يسأل عشر مرات قبل أن يضع دولارا، وضوابط تصدير، ومؤسسات مالية تتجنب السوق السوري من باب “وجع الرأس”.
ولهذا كان بقاء سوريا على القائمة، بعد رفع أجزاء واسعة من منظومة العقوبات، أشبه بباب فتحنا أقفاله وبقي علينا دفعه وحمله وإزاحته من المستقبل.
أقل من عامين انتقلت سوريا من دولة تكاد أبواب كثيرة تغلق عند ذكر اسمها، إلى رئيس يستقبل في البيت الأبيض، ووزير خارجية يتحرك بين العواصم، ووفود دولية تصل إلى دمشق، وعقوبات يجري تفكيكها تباعاً، وصولاً إلى إزالة تصنيف لازم اسم الدولة سبعة وأربعين عاما.
لكن… “مربط الفرس” في قدرة الترجمة المباشرة، وهذا لا يعني زمناً طويلاً بقدر ما يعني استنفار بقية الفريق الحكومي والمجتمعي والعمل معاً بروح الفريق الواحد لتحويل القرار إلى مفاعيل تنعكس على سوريا وحياة السوريين.
فإزالة اسم سوريا من قائمة الإرهاب لن تخفض صباح الغد سعر الدواء، ولن تخلق وظيفة لشاب عاطل عن العمل، ولن ترمم أو تبني مدرسة أو معهداً أو جامعة، ولن تعبد طرقاً، ولن تنهي مظاهر الفساد المستشري في الجسد السوري. القرار رمى الأبواب الموصدة أمامنا لتحضر تحديات ما بعده.
رفع قانون قيصر، وإزالة اسم سوريا كدولة راعية للإرهاب، وتحالفاتنا الإقليمية والدولية تثبت نجاحها. السياسة الخارجية نجحت في إزالة الكثير من الحواجز أمام الباب، لكن فتح الباب والدخول منه شأن سوري.
وهنا ربما يكون قرار الرابع والعشرين من آب أهم من مجرد انتصار دبلوماسي؛ لأنه يغير طبيعة السؤال الذي نطرحه على الدولة الجديدة:
ماذا ينتظرنا في الميدان الداخلي؟
فرفع اسم سوريا من القائمة إنجاز للدولة، أما الإنجاز الذي ينتظره السوري فهو أن يرى أثره في بلده وحياته ومستقبله.
أن تبدأ ورشات العمل مترافقة مع الحضور الإعلامي لوزارات الاقتصاد والمالية والاستثمار والصناعة والإدارة المحلية والقضاء والمؤسسات الرقابية، ليتحول القرار السياسي إلى مصرف يفتح، وشركة تدخل، واستثمار يبدأ، وفرص عمل تفتح أبوابها للسوريين.






