مع مرور اليوم الأربعاء، باتت المدة المحدّدة لتنفيذ اتفاق العاشر من آذار منتهة رسميّاً، من دون أن يتم تنفيذ أي بند من بنوده.
تطورات الاحداث
والوقائع على الأرض منذ توقيع الاتفاق من قبل الرئيس أحمد الشرع ومتزعم ميليشيا “قوات سوريا الديمقراطية – قسد” مظلوم عبدي، تؤكد أن القيادة والحكومة السورية اتبعت سياسة “الصبر الوطني” بشأن تنفيذ بنود الاتفاق، في حين مارست “قسد” وغطاؤها السياسي ما تسمى “الإدارة الذاتية” التسويف والمراوغة.

الرئيس الشرع وبعد أشهر قليلة على تحرير سوريا من نظام حكم بشار الأسد البائد الذي صادفت الذكرى السنوية الأولى له في الثامن من كانون الأول الجاري أبدى حرصاً واضحاً على تعزيز الوحدة الوطنية والجغرافيا السورية، وانطلاقاً من ذلك وقّع مع عبدي في دمشق في العاشر من آذار الماضي اتفاقاً ينصّ على دمج مؤسسات «الإدارة الذاتية» في وزارات ومؤسسات الدولة السورية، وقد تم تحديد آخر العام الجاري موعداً لاكتمال تنفيذ بنود هذا الاتفاق.
ومنذ توقيع الاتفاق أظهرت القيادة والحكومة السورية حرصاً ومرونة لتنفيذه وتجلّّى ذلك في عقد مسؤولين فيها اجتماعات عدة في دمشق وفي شمال شرق سوريا مع شخصيات من “الإدارة الذاتية“، وذراعها المسلّح ”قسد”.
ووصل الأمر إلى أبعد من ذلك، حيث بذلت الدبلوماسية السورية جهوداً كبيرة لإقناع الجارة الشمالية تركيا التي تصنّف “وحدات حماية الشعب” الكردية العمود الفقري لـ”قسد” تنظيماً إرهابياً وتطالب بحلها وإبعادها عن الحدود وتنفيذ اتفاق العاشر من آذار لكونها تشكّل تهديداً للأمن الوطني للبلاد، إقناعها بعدم إجراء أي تحرّك عسكري تجاهها، على أمل إقناع تلك “الإدارة” و”قسد” بتنفيذ بنود الاتفاق.
في المقابل لم تبد “الإدارة الذاتية“، وذراعها المسلّح ”قسد”، أي نيات حسنة لتنفيذ الاتفاق، وكانت المماطلة والتسويف والمراوغة ديدنهم، على الرغم من حضور المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس براك عدداً من الاجتماعات التي ضمت الجانبين في إطار التباحث لتنفيذ بنود الاتفاق.
لم يقتصر الأمر على ذلك، بل وصل إلى قيام “الإدارة الذاتية“، و”قسد”، بتحريض الولايات المتحدة بأن يكون رفع “قانون قيصر” مشروطاً، ومحاولاتهم إثارة النعرات الطائفية مجدّداً، وإرسال رسائل تهديد لدمشق، وهو ما سكبت عليه الإدارة الأميركية ماءً بادراً.
المسوّغات والمبررات
التي سوقتها “الإدارة الذاتية“ و”قسد”، بأنهم لا يريدون “التخلي عن المكتسبات التي حقّقوها” خلال سنوات الحرب في سوريا التي امتدت لـ 14 عاماً، لا يمكن لعاقل أن يفسّرها إلا بأنهم يريدون إقامة “دولة داخل دولة”، فهم يرفضون الانضمام عناصر “قسد” بشكل إفرادي إلى الجيش العربي السوري، وإنما “ككتلة واحدة” والبقاء في أماكن سيطرتهم، كما لا يريدون التخلي عن سيطرتهم على المدن والبلدات والقرى الواقعة تحت نفوذهم في محافظات الحسكة وديرالزور والرقة وريف حلب، كما لا يريدون تسليم آبار النفط والغاز للحكومة السورية.
كل ممارسات “الإدارة الذاتية” و”قسد” تدل على أنهم لا يريدون التخلي عن مشروعهم الانفصالي، وقد دلّ على ذلك حفر الأنفاق داخل المدن، وهو ما يشير إلى إعدادات لمعركة محتملة، و إدخال أعداد كبيرة من مسلحي حزب العمال الكردستاني من مناطق قنديل إلى مناطق سيطرتها في الجزيرة السورية، إضافة إلى تجمّع المئات من فلول النظام السابق في الجزيرة السورية، وتسليحهم لقتال الحكومة السورية، وتصعيدهم من خطـاب الكـراهية والتحريض، ودعمهم للتمرد في المنطقة الساحلية والسويداء من قبل العناصر والعصابات الخارجية عن القانون ضد الحكومة السورية، واستهداف عناصر قوى الأمن الداخلي والجيش العربي السوري على خطوط التماس وفي المناطق ذات السيطرة المشتركة مثل حيي الأشرفية والشيخ مقصود بحلب.
ومع وصول “الإدارة الذاتية” و”قسد” إلى طريق مسدود في تنفيذ مشروعهم الانفصالي، وخصوصا في ظل الموقف العربي والدولي وحتى العالمي، الداعم لتنفيذ الاتفاق والرافض للتقسيم والانفصال، استنجدوا بالاحتلال الإسرائيلي، حيث أجرى متزعم «قسد» مقابلة مع صحيفة “جيروزالم بوست الإسرائيلية” بداية الشهر الجاري، وجدّد اللعب على معزوفة إثارة الفتنة والنعرات الطائفية والمذهبية، بزعمه ان هناك ما سماها “مخاوف حقيقة” في اللاذقية وفي السويداء بعد الأحداث التي حصلت هناك، وادعائه بأن الرسالة كانت: “الأكراد سيكونون التالين”.
وفيما يبدو أن “الإدارة الذاتية” و”قسد” تعوّلان على الاستمرار في سياسة “التسويف” و”المماطلة” و”المراوغة” في تنفيذ الاتفاق، صرّح العديد من المسؤولين فيهما قبل بضعة أيام بأن تنفيذ الاتفاق غير محكوم بمدة محددة!، بينما ألمح البعض إلى مسألة تمديد مهلة التنفيذ، وهو أمر وضعه مراقبون في سياق استمرار “الإدارة الذاتية” و”قسد” في المراهنة على تصاعد تحركات العصابات الخارجة عن القانون في السويداء والمنطقة الساحلية، على الرغم من ان تلك التحركات فشلت.
لكن السؤال اليوم ومع انتهاء المدة المحددة لتنفيذ اتفاق العاشر من آذار، هل الحكومة السورية التي منحت “الإدارة الذاتية” و”قسد” وقتاً كافياً للالتزام بتنفيذ بنوده وواصلت التنسيق مع تركيا والولايات المتحدة بشان ذلك، ستذهب في سياسة الصبر الوطني التي تتبعها إلى منحهما مهلة إضافية جديدة للتنفيذ، أم ستلجأ إلى خيار آخر؟
الجواب ستُظهره الأيام القليلة القادمة من العام الجديد.
الوطن








