المزيد

‫آخر الأخبار:‬

ارتفاع الوقود يضغط الأسواق.. كيف تحمي الحكومة المواطن من موجة الغلاء؟

‫شارك على:‬
20

لم يعد ارتفاع أسعار المشتقات النفطية يقتصر على فاتورة الوقود، بل بدأ يضغط على كامل سلسلة الأسعار، من تكاليف الإنتاج الزراعي والصناعي إلى أجور النقل والخدمات، وصولاً إلى أسعار السلع التي تصل إلى المستهلك. ومع دخول الزيادة الجديدة على أسعار المازوت والبنزين حيز التنفيذ، تواجه الحكومة اختباراً أكثر تعقيداً من مجرد ضبط الأسعار، يتمثل في احتواء انتقال ارتفاع تكلفة الطاقة إلى مختلف مفاصل الاقتصاد.

وفي ظل هذا الواقع، يبرز السؤال حول الأدوات الأكثر فاعلية لتخفيف الأعباء عن المواطنين: هل تكفي الرقابة على الأسواق لمنع ارتفاع الأسعار أم إن المرحلة تتطلب إجراءات اقتصادية أوسع تستهدف مصادر ارتفاع التكلفة نفسها؟

حماية السلع الأساسية تبدأ من تكلفة إنتاجها

يرى الدكتور خالد تركاوي، الخبير في اقتصادات الشرق الأوسط، في تصريح خاص لـ “الوطن” أن ارتفاع أسعار المشتقات النفطية كان متوقعاً في ظل الاضطرابات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية، لكن التحدي الحقيقي أمام الحكومة يتمثل في الحد من انعكاس هذه الزيادة على المواطن والقطاعات الإنتاجية والخدمية.

ويؤكد تركاوي أن دعم المواطن يجب أن يكون في مقدمة أولويات السياسة الحكومية، مع التركيز على تثبيت أسعار السلع والخدمات الأساسية، بدلاً من محاولة منع ارتفاع جميع الأسعار. ويقترح في هذا السياق توجيه الدعم إلى القطاعات الأكثر حساسية لتكاليف الوقود، وفي مقدمتها الزراعة، عبر تأمين المازوت والبنزين بأسعار مخفضة، بما يخفف كلفة الإنتاج ويحد من انتقالها إلى أسعار المنتجات الزراعية والغذائية.

وينطبق الأمر نفسه على القطاعات الإستراتيجية، ولا سيما الأفران، التي يرى تركاوي ضرورة تأمين احتياجاتها من الوقود بأسعار مدعومة، إلى جانب حماية وسائل النقل الرئيسية من الارتفاعات الحادة في التكلفة، بما يحول دون انتقال كامل زيادة أسعار الوقود إلى أجور النقل.

الرقابة تضبط السوق.. لكنها لا تعالج أصل المشكلة

وأفاد إن ارتفاع الأسعار بعد زيادة تكلفة الوقود ليس بالضرورة نتيجة مخالفات أو استغلال فقط، إذ إن جزءاً منه يرتبط بارتفاع حقيقي في تكلفة الإنتاج والنقل والتوزيع. ولذلك فإن تشديد الرقابة يمكن أن يحد من المبالغة والاحتكار، لكنه لا يستطيع إلغاء التكلفة الإضافية التي تحملها المنتج أو الناقل.

ويشير تركاوي إلى أن الرقابة الصارمة قد تحقق نتائج مؤقتة، لكنها ليست حلاً مستداماً، معتبراً أن السياسة الأكثر فاعلية تتمثل في تحديد سلة من السلع والخدمات التي ينبغي الحفاظ على استقرار أسعارها، وفي مقدمتها الخبز والسلع الغذائية الرئيسية والمواصلات، بينما يمكن لبقية الأسعار أن تتحرك وفق تغيرات تكاليف الإنتاج وحركة السوق.

وهنا تصبح مهمة الحكومة مزدوجة: ضبط الأسواق لمنع الاستغلال، وفي الوقت نفسه تخفيف تكلفة المدخلات عن القطاعات التي تؤثر مباشرة في معيشة المواطنين. فدعم الوقود الموجه للزراعة والنقل والأفران قد يكون أكثر تأثيراً من محاولة ضبط سعر السلعة النهائية بعد وصولها إلى السوق.

وبذلك، فإن مواجهة موجة الغلاء لا تتطلب تجميد الأسعار بقدر ما تحتاج إلى إدارة انتقال الصدمة النفطية عبر الاقتصاد، بحيث لا تتحول زيادة في تكلفة الطاقة إلى موجة تضخم تطول الغذاء والنقل والخدمات دفعة واحدة.

والاختبار الحقيقي للسياسة الحكومية في المرحلة المقبلة لن يكون في عدد الجولات الرقابية على الأسواق، بل في قدرتها على حماية القوة الشرائية للمواطن، وضمان استمرار الإنتاج، وتأمين الخدمات الأساسية بتكاليف يمكن تحملها، مع توجيه الدعم إلى نقاط التأثير الفعلية بدلاً من توزيعه بصورة عامة.