مع انطلاق أول اجتماعات اللجنة التوجيهية لمشروع تطوير الإدارة المالية العامة، الذي يموله البنك الدولي، تدخل سوريا مرحلة جديدة من مسار تحديث إدارة المال العام عبر مشروع يستهدف تطوير الأنظمة المالية والرقابية وتعزيز الشفافية.
ورأى الخبير في الاستراتيجيات المالية والمخاطر الدكتور صالح أشرم في حديثه لـ”الوطن” أن الاجتماع الأول للجنة التوجيهية لمشروع تطوير الإدارة المالية العامة يمكن اعتباره إحدى المحطات المهمة في مسار إصلاح إدارة المال العام في سوريا، إلا أن نجاحه سيبقى مرهوناً بمدى قدرة المشروع على إحداث تغيير فعلي في أسلوب إدارة المالية العامة خلال السنوات المقبلة، وليس الاكتفاء بإطلاق المشروع أو عقد الاجتماعات.
وأشار أشرم إلى أن مشاركة جهات عدة في المشروع، من بينها الجهاز المركزي للرقابة المالية ومصرف سوريا المركزي، تؤكد أن الإدارة المالية العامة ليست مسؤولية وزارة المالية وحدها، وإنما هي منظومة متكاملة ومترابطة تتطلب تنسيقاً دائماً بين مختلف المؤسسات المعنية، كما أن ربط المشروع بمؤشرات أداء يمثل نقطة إيجابية، لأنه يعزز المساءلة ويجعل نتائج التنفيذ قابلة للقياس، لافتاً إلى أن هذا الاجتماع يأتي أيضاً في سياق أوسع يرتبط بمسار الإصلاح الاقتصادي وعودة انخراط سوريا مع البنك الدولي.
ورغم أهمية المشروع، فإن أشرم لفت إلى وجود نقاط حرجة ينبغي التعامل معها لضمان نجاح التنفيذ، فالمشروع يتضمن في الوقت نفسه تطوير نظام معلومات الإدارة المالية الحكومية المتكاملة (IFMIS)، ونظام الرواتب والموارد البشرية، ومنظومة المشتريات العامة، والبنية التحتية الرقمية، إضافة إلى مركز البيانات، وهو ما يرى أنه تنفيذ لعدد كبير من المكونات دفعة واحدة.
وأكد أن الخيار الأكثر كفاءة يتمثل في اعتماد تنفيذ متدرج يبدأ ببيانات الموازنة العامة الموحدة، ثم ربطها لاحقاً بنظام الرواتب والمشتريات، بما يشبه آلية عمل أنظمة تخطيط موارد المؤسسات، بحيث تتم إضافة المكونات تدريجياً بدلاً من إطلاقها كلها في وقت واحد، الأمر الذي يرفع فرص نجاح المشروع ويحد من المخاطر التنفيذية.
التنسيق بين “المالية” و”المركزي”
وشدد أشرم على أن التنسيق بين مصرف سوريا المركزي ووزارة المالية يجب أن يكون تنسيقاً فعلياً وليس شكلياً، لا سيما في الملفات المتعلقة بإدارة السيولة وإدارة الموازنة العامة، محذراً من أن غياب هذا التنسيق سيجعل الاجتماعات والإجراءات أقرب إلى الطابع الشكلي من دون أن تحقق الأهداف المرجوة على أرض الواقع.
الشفافية هي الاختبار الحقيقي
واعتبر أشرم أن الشفافية تمثل أحد أهم عناصر نجاح المشروع، بل إنها تشكل الاختبار الحقيقي له، موضحاً أن الهدف لا يقتصر على رقمنة العمليات أو تحديث الأنظمة التقنية، وإنما يتمثل في إصلاح الإدارة المالية العامة بصورة شاملة، بما ينعكس على مستوى الإفصاح عن المالية العامة، من خلال نشر الموازنة العامة ونتائج تنفيذها للجمهور بشكل منتظم ودوري، بما يعزز الثقة والمساءلة.
وختم أشرم بالإشارة إلى تساؤل يرى أنه بالغ الأهمية ويتعلق باستدامة المشروع، موضحاً أن التمويل الحالي يأتي من خلال منحة مقدمة من البنك الدولي، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل ستتمكن الدولة بعد انتهاء المنحة من تمويل تشغيل وصيانة هذه الأنظمة من موازنتها العامة، أم إن المشروع سيلقى مصير عدد من المشروعات السابقة التي توقفت بمجرد انتهاء التمويل الخارجي؟ ورأى أن الإجابة عن هذا السؤال ستكون عاملاً أساسياً في الحكم على نجاح مشروع تطوير الإدارة المالية العامة واستدامة نتائجه.






