المزيد

‫آخر الأخبار:‬

ضربة لـ “الواسطة”.. تعميم مالي يُلزم المديرين بالإفصاح عن أقاربهم العاملين لديهم

‫شارك على:‬
20
أثار تعميم وزير المالية محمد يسر برنية بضرورة إلزام المديرين العاملين في الوزارة والمؤسسات والهيئات التابعة أو المرتبطة بوزارة المالية، بالإفصاح عن أي صلة قرابة تربطهم بالموظفين لديهم حتى الدرجة الرابعة، وجهات نظر بين مؤيد و بين من يعتبر أنه غير مؤثر خاصة في البلدان النامية
للتوسع أكثر حول الموضوع  تواصلت الوطن مع  الأكاديمي  في جامعة إدلب الدكتور مصعب الشبيب و الذي اعتبر أن  تعميم وزارة المالية  القاضي بإلزام العاملين بالإفصاح عن أي صلة قرابة تربطهم بموظفين آخرين حتى الدرجة الرابعة يمثل خطوة متقدمة في مسار الإصلاح الإداري وتعزيز الحوكمة الرشيدة داخل مؤسسات الدولة. فالمؤسسات الحديثة لا تُقاس فقط بحجم القوانين التي تمتلكها، وإنما بقدرتها على إدارة المخاطر التي قد تؤثر في نزاهة القرار الإداري، وفي مقدمة هذه المخاطر تضارب المصالح والقرابة الوظيفية عندما تتداخل مع السلطة الإدارية أو عملية اتخاذ القرار.
إن جوهر هذا الإجراء لا يتمثل في منع الأقارب من العمل في القطاع العام، فذلك أمر غير واقعي في كثير من المجتمعات، بل يتمثل في ضمان ألا تتحول علاقة القرابة إلى عامل يمنح امتيازاً غير مستحق أو يؤثر في العدالة الوظيفية. لذلك فإن الإفصاح يعد الوسيلة الأولى لإدارة المخاطر، لأنه يكشف العلاقة منذ البداية ويمنح الإدارة القدرة على اتخاذ الإجراءات المناسبة، سواء بإعادة توزيع المهام أو تعديل خطوط الإشراف أو نقل الموظف عند الضرورة، بما يحافظ على استقلالية القرار الإداري.
ومن منظور مؤسسي، فإن هذا التعميم يعكس تحولاً من ثقافة الثقة المطلقة إلى ثقافة الإفصاح والشفافية. ففي الإدارة الحديثة لا يُطلب من الموظف إثبات براءته، وإنما يُطلب منه الإفصاح عن أي حالة قد تثير شبهة تضارب المصالح، حتى وإن لم ينتج عنها أي تجاوز فعلي. وهذا النهج يرفع مستوى النزاهة ويحد من الشكوك، ويحمي الموظف والإدارة في الوقت نفسه.
كما أن أهمية التعميم تنبع من كونه يفعّل قراراً تنظيمياً صدر سابقاً، ما يؤكد أن الإصلاح الحقيقي لا يتحقق بإصدار التشريعات فقط، وإنما بمتابعة تنفيذها وتحويلها إلى ممارسة يومية داخل المؤسسات. فكثير من برامج الإصلاح الإداري في العالم تعثرت بسبب ضعف التطبيق، وليس بسبب نقص النصوص القانونية.
وتؤكد التجارب الدولية أن الإفصاح عن صلات القرابة وتضارب المصالح أصبح من الركائز الأساسية في أنظمة الخدمة المدنية في الدول التي تتبنى معايير الحوكمة والشفافية. ففي العديد من الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية وأستراليا ونيوزيلندا، تفرض مدونات السلوك الوظيفي على الموظفين الإعلان عن أي علاقة شخصية أو عائلية أو مالية قد تؤثر في حيادية قراراتهم، ولا يعتبر وجود القرابة مخالفة بحد ذاته، وإنما المخالفة تكمن في إخفائها أو استغلالها للحصول على منفعة أو التأثير في قرارات التوظيف والترقية والتقييم والعقود والمشتريات.
لكن في المقابل، فإن نجاح هذا التوجه يتطلب أكثر من مجرد جمع نماذج الإفصاح. فهو يحتاج إلى قاعدة بيانات محدثة، ولجان مستقلة تدرس الحالات، وآليات تحقق واضحة، إضافة إلى معايير معلنة لمعالجة أوضاع العاملين بما يضمن العدالة وعدم الانتقائية. كما ينبغي أن تطبق هذه الإجراءات على جميع المستويات الإدارية دون استثناء، لأن العدالة في التطبيق هي الأساس الذي يمنح أي سياسة مصداقيتها.
وعلى المدى البعيد، فإن مثل هذه الخطوات تسهم في ترسيخ ثقافة الاستحقاق والكفاءة داخل الجهاز الحكومي، وتعزز ثقة العاملين بأن فرص التوظيف والترقية تستند إلى الأداء والخبرة وليس إلى العلاقات الشخصية. كما تعزز ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة، وهو ما يمثل أحد أهم مقومات بناء إدارة حديثة قادرة على دعم التنمية وجذب الاستثمار ورفع كفاءة الإنفاق العام. لذلك يمكن اعتبار هذا التعميم مؤشراً إيجابياً على تبني أدوات الحوكمة الوقائية، على أن يبقى نجاحه مرهوناً باستمرارية التطبيق والرقابة والالتزام بالمساواة أمام القانون.
و كان وزير المالية عمم على الإدارة المركزية في الوزارة و المؤسسات التابعة لها بضرورة  الإفصاح  من قبل المديرين وموافاة مديرية التنمية الإدارية في وزارة المالية / الإدارة المركزية عن أي صلة قرابة تربطكم مع موظفين لديكم حتى الدرجة الرابعة خلال أسبوعين من صدور التعميم، لتتم معالجتها ضمن اللجنة سالفة الذكر، تحت طائلة المساءلة وفسخ العقد فوراً .