عُرض مساء أمس الأحد الفيلم الوثائقي «الباص الأخضر.. حكايا التهجير القسري» الذي يقدم واحدة من أكثر صفحات الذاكرة السورية قسوة، متناولاً تجارب التهجير القسري التي عاشها سوريون خلال سنوات الحرب، وذلك ضمن فعالية أقامتها وزارة الثقافة في دار الأوبرا بدمشق.
ويعتمد الفيلم على شهادات حية ومباشرة لأربع شخصيات سورية تنحدر من حمص وحلب وحماة والغوطة الشرقية، لتلتقي حكاياتهم الفردية في سرد واحد يوثق مراحل مختلفة من النزوح والاقتلاع من المكان، واضعاً الإنسان وتفاصيل تجربته في صلب الحكاية، بعيداً عن الأرقام والتوصيفات المجردة.
وفي تصريح خاص لـ”الوطن”، أوضح مخرج الفيلم فادي بعاج أن «الباص الأخضر» هو فيلم وثائقي مؤلف من جزأين، جرى تصوير الجزء الأول منه مطلع عام 2024، وجسّد قصص أربع شخصيات هُجّرت من منازلها في مناطق سورية مختلفة.
وبيّن أن عرض الفيلم تأخر لأسباب عدة، قبل أن تتاح الفرصة لعرضه بعد سقوط النظام البائد، الأمر الذي أتاح للفريق استكمال الحكاية من خلال إضافة مرحلة جديدة تتناول العودة والتحرير، إلى جانب مرحلة التهجير والنزوح.
وبين بعاج أن العمل لا يكتفي بتوثيق لحظة التهجير وما رافقها من ألم وفقدان، بل يستعين بلغة بصرية ذات طابع تعبيري، من خلال إعادة بناء عدد من المشاهد والتفاصيل التي تستحضر ذاكرة أصحابها، مانحاً الفيلم بعداً درامياً وإنسانياً، مع محافظته على هويته الوثائقية.
وقال: “إن التجربة كانت بالنسبة لي ولعدد كبير ممن عاشوا التهجير قائمة على شعور عميق بعدم إمكانية العودة، ولكن بعد التحرير تواصلنا مع المشاركين الأوائل، واتفقنا على استكمال العمل، فعدنا إلى التصوير معهم، ووثقنا مشاعر الفرح ولحظات العودة، وسجلنا ما عبّروا عنه من مشاعر وردود أفعال تجاه هذه اللحظة”.
وأشار إلى أن رمزية عنوان الفيلم ترتبط بما مثّله «الباص الأخضر» خلال سنوات الحرب، بعدما تحول إلى صورة مرتبطة بعمليات التهجير، معتبراً أن المعادلة تبدلت اليوم، إذ عاد من أُجبر على مغادرة منزله إلى وطنه وبين أهله ومحبيه.
وعن اختيار دار الأوبرا بدمشق لعرض الفيلم، أفاد بعاج بأن للمكان رمزية خاصة بالنسبة إليه، مضيفاً إن تقديم العمل على واحد من أعرق المسارح السورية يحمل الكثير من المعاني، ولاسيما أن دار الأوبرا ارتبطت خلال السنوات الماضية باسم النظام البائد.
وأضاف إن العرض في هذا المكان يمثل محاولة لاقتلاع ما تم تثبيته وترسيخه في الذاكرة، مؤكداً أن هذا الصرح الثقافي يعني له الكثير، إذ أمضى فيه سنوات عديدة مراسلاً وصحفياً، وشهد خلال تلك الفترة العديد من العروض والمحاضرات والحفلات الفنية.
من جانبه، تحدث المشارك في الفيلم حمزة الجوجة عن تجربته الشخصية، موضحاً أنه ينحدر من مدينة حمص، وشارك في مختلف أشكال الحراك السلمي مع بدايات الثورة، قبل أن يعيش مراحل متعددة من القصف والحصار والتهجير وغيرها من ظروف الحرب.
وأوضح أن الفيلم أُنجز في بدايته عام 2024، إلا أن التحولات التي شهدتها البلاد، وما رافقها من مشاعر الفرح بالتحرير، دفعت فريق العمل إلى استكمال التجربة وتصوير المرحلة الجديدة.
وبيّن الجوجة إن الإبقاء على الفيلم بصورته الأولى كان سيجعله أكثر حزناً وبؤساً، لذلك جاءت فكرة تصوير ما بعد التحرير لإكمال القصة، وإيصال صورة متكاملة تجمع بين الحزن والفرح، والألم والفرج، والتهجير والعودة.
وأعرب الجوجة عن سعادته الكبيرة بكونه جزءاً من هذا العمل، معتبراً أن الحضور الكثيف والإقبال الواسع على العرض شكّلا مصدر فرح بالنسبة له، مشيراً إلى أن بعض الحاضرين ربما لم يعيشوا تجربة الحصار أو التهجير بشكل مباشر، إلا أن الفيلم نجح في تحريك مشاعرهم.
وأضاف إن مشاهدته لعدد من الحاضرين وهم يحاولون حبس دموعهم خلال العرض جعلته يدرك أن رسالة الفيلم وصلت إلى الجمهور، وأن المشاعر التي أراد صناع العمل نقلها لامست المتلقين.
واستعاد الجوجة جانباً من تجربته الشخصية مع التهجير، موضحاً أنه كان في الحادية والعشرين من عمره عندما أُجبر على مغادرة منزله، وأنه أمضى نحو عشر سنوات بعيداً عن وطنه ومدينته، وهي فترة وصفها بأنها تقارب ربع عمره.
و أكد الجوجة أن الفيلم يتجاوز فكرة توثيق التهجير باعتباره حدثاً ينتهي بمجرد مغادرة المكان، ليقترب من آثاره النفسية والاجتماعية الممتدة، ومن العلاقة التي تظل قائمة بين الإنسان ومكانه الأول مهما ابتعد عنه ، إذ تتداخل فيه حكايات الشخصيات الأربع مع ذاكرة المدن والأحياء التي خرجوا منها، لتتحول الشهادات الفردية إلى جزء من ذاكرة سورية جماعية أوسع، وتصبح الكاميرا وسيلة لحفظ تفاصيل تجربة إنسانية عايشها كثيرون، وإبقائها حاضرة أمام الأجيال القادمة.
تصوير: طارق السعدوني













