المزيد

‫آخر الأخبار:‬

بين “سوريا الأسد” و”سوريا الجديدة”… جدران تتكلم ورحلة من غياهب السجون إلى رحاب الحرية

‫شارك على:‬
20

بعد انتصار الثورة السورية على أعتى الأنظمة الحاكمة وأكثرها إجراماً، بدأت الفظائع تتكشف تدريجياً في سجون الأسد التي كانت بمثابة “مسالخ بشرية”، استفاد فيها مجرمي النظام البائد من خبرة النازيين في بناء منظومة متوحشة قائمة على أساليب قمعية ممنهجة، ما جعل السجون السوريّة مسارح لأبشع أنواع التعذيب، لتبدو وكأنها “نسخة مصغرة من الجحيم”.

في “معرض دمشق الدولي” الذي اختتمت فعالياته قبل يومين، حوّلت وزارة الداخلية السورية جناحاً خاصاً إلى متحف حمل عنوان “حين تتكلم الجدران”، وثقت فيه إرثاً من القمع والتعذيب تركه النظام البائد، وجسّدت فيه الوحشية المطلقة التي أدرجت سوريا في قائمة الأنظمة الأكثر قمعاً في العالم، زمن حكم الأسدين (الأب والابن).

يكشف هذا الركن، جانباً من واقع السجون، عبر وثائق من داخل غياهبها بقيت شاهدة على فظائع النظام البائد، وتضع الزوار أمام حجم الألم والمعاناة التي عاشها المعتقلون، بينما يعرض في جانب آخر التحول نحو مفهوم السجون الإصلاحية والتأهيل التي تراعي المبادئ الإنسانية.

“سوريا الأسد”

هنا تهتز القلوب وتبكي العيون وتنهمر الدموع وتحمل الوجوه ملامح الألم أمام شواهد تستحضر فصولاً قاسية من الذاكرة السورية، فـ”عندما تتكلم الجدران” لم يكن ركناً بقدر ما كان شاهداً على أكثر سنوات القهر والألم التي عاشها السوريون خلال 14 عاماً، كاشفاً جانباً من الجرائم التي ارتكبها نظام الأسد خلف الأبواب الموصدة.

في هذا الجناح، يشعر الزوار وكأن الأضواء قد خفتت، وأن المساحات قد ضاقت، ومع كل خطوة تصبح الخطوات أثقل ويصبح النَفّس أضيق وكأن الجدران تقترب على بعضها لتخنق زائريها.

على جانبي الطريق، تظهر صناديق زجاجية تضم مقتنيات سجناء عاشوا هنا في ظروف لا تمت للإنسانية بصلة، قطعة ملابس شتوية مهترئة… أشياء بسيطة قد يمر بها المرء من دون أن يلتفت إليها في الأحوال العادية، لكنها تتحول هنا إلى شهادات حية تعبّر عن الإرادة البشرية التي لم تنكسر رغم الظروف اللاإنسانية، حتى أحجار الشطرنج وأوراق اللعب تأخذ معنى مختلفاً، بعضها صُنع من مواد بسيطة، في محاولة من السجناء لخلق لحظة تشبه الحياة الطبيعية في زمن لم يكن طبيعياً.

بعدها تنطق الجدران، بعبارات تركها السجناء، بكلمات كُتبت في لحظات امتزج فيها الخوف بالأمل، والانتظار باليأس، كلمات خطّها إنسان لا يعرف إن كان سيخرج يوماً، أو إن كان هناك من سيقرأ ما كتب ولو بعد حين، ليتحول الجدار إلى شاهد، شهادته باتت أقوى من كثير من الروايات.

بعدها، تظهر المهاجع بتفاصيلها القاسية، لترسم صورة أقرب عن المكان الذي كان المعتقل يقضي فيه أيامه ولياليه، وحياة كاملة اختُزلت داخل هذه الجدران، وبجانبها تظهر أدوات التعذيب، أدوات صامتة اليوم، بعد أن كانت جزءاً من منظومة كاملة هدفها كسر الإنسان وإذلاله وانتزاع ما تبقى من إنسانيته.

ومن هنا تنتقل إلى قسم آخر… أبواب حديدية مصفحة، ثقيلة، مغلقة على فراغ يبدو للوهلة الأولى صامتاً، لكنه يحمل في داخله أصواتاً لا تُسِمع إلا المخيلة، ثم تصل إلى قسم “العشاء الأخير”، وهو المشهد الأكثر هدوءًا وإيلاماً.

سوريا الجديدة

بعد قطع كل هذه المسافة داخل عالم من الظلام والألم والاختناق، يتغير كل شيء فجأة، فبعد العتمة ينبثق الضوء، وبعد الجدران الضيقة تأتي السماء الواسعة.

يستعيد الزائر أنفاسه عندما يظهر أمامه جندي مبتسم يقول: “أهلاً بك في سوريا الجديدة”، وهي جملة بسيطة، لكنها تأتي في اللحظة التي تكون فيها أكثر قدرة على فهم معناها، ليمثل هذا الجناح انتقالاً من زمن أسود إلى زمن ناصع البياض، من سوريا كانت الجدران فيها تخفي الألم، إلى سوريا أصبحت فيها الجدران تروي الحقيقة بكل صدق وأمانة، من مكان كان الإنسان يدخله ولا يعرف إن كان سيخرج منه، إلى مكان رحب تسكنه السكينة والطمأنينة والإنسانية والحرية.