في سوق الصرافة والحوالات برز خلال الفترة الأخيرة مجموعة من التساؤلات المرتبطة بالإجراءات التنظيمية ومتطلبات الترخيص، في مقدمتها مصير التأمينات التي أودعتها شركات صرافة لدى مصرف سورية المركزي خلال عملية استبدال العملة، إضافة إلى ما تتداوله شركات عاملة في السوق بشأن رفع رأس المال المطلوب للترخيص الجديد إلى 5 ملايين دولار.
وبينما تطالب شركات بتوضيح مصير التأمينات التي تقول إن الغاية منها انتهت، تشير شركات أخرى إلى أنها تلقت معلومات بشأن متطلبات رأس المال الجديدة عبر مراسلات غير رسمية، من دون أن تكون قد تسلمت قراراً أو تعميماً معلناً بهذا الخصوص.
وتفتح هذه الوقائع باباً للنقاش حول الإجراءات الناظمة لسوق الصرافة، وآلية إصدار القرارات وإبلاغ الشركات بها، ومدى وضوح المتطلبات المالية والقانونية أمام المستثمرين والمتعاملين في القطاع.

لماذا لم يعد التأمين؟
تواصلت شركات صرافة مع “الوطن” مطالبة بتوضيح مصير مبلغ التأمين البالغ مليون دولار الذي أودع لدى مصرف سورية المركزي مع بدء عملية استبدال العملة.
وتقول الشركات إن الغاية التي دفع من أجلها التأمين انتهت وإنها طالبت باسترداده إلا أن الطلبات بقيت تنتقل بين مفوضية الحكومة لدى المصارف ولجنة استبدال العملة من دون إجابة نهائية حتى تاريخ إعداد التقرير.
وتطرح هذه الوقائع سؤالاً مباشراً: هل لا تزال هناك عمليات تدقيق أو مخالفات تمنع إعادة التأمين أم إن الشركات تنتظر إجراء إدارياً لم يصدر بعد.
ويرى الباحث الاقتصادي إيهاب إسمندر في حديثه لـ”الوطن” أن التأمين من حيث المبدأ يسترد بعد انتهاء الغرض منه ما لم تكن هناك مخالفات مثبتة مشيراً إلى أن عدم توضيح أسباب التأخير يترك الباب مفتوحاً أمام أكثر من تفسير.
قرار أم إبلاغ عبر واتساب؟
المسألة الأكثر إثارة للجدل تتعلق بالشركات الجديدة الراغبة بدخول سوق الصرافة والحوالات ، فالشركات تقول إن رأسمال الترخيص ارتفع إلى 5 ملايين دولار بدلاً من 2 مليار ليرة كانت محددة سابقاً لكن المفارقة أن هذا التغيير لم يصل إليها حسب إفادتها عبر قرار أو تعميم رسمي واضح وإنما من خلال مراسلات عبر واتساب.
وهنا تتحول القضية من مجرد رفع لرأس المال إلى سؤال عن مصدر القرار وكيف أصبح شرط مالي بهذا الحجم يبلغ إلى شركات مالية عبر تطبيق للمراسلة.
ويؤكد إسمندر أن شروط الترخيص يجب أن تكون واضحة ومعلنة رسمياً وأن رفع رأس المال بهذا الشكل يمثل تعديلاً جوهرياً يؤثر مباشرة في قدرة الشركات على دخول السوق ويحتاج إلى سند قانوني واضح.
من يملك القرار؟
رفع متطلبات رأس المال قد يكون مبرراً من الناحية الرقابية إذا استند إلى تقييم للمخاطر وحاجة السوق إلى مؤسسات أكثر ملاءة لكن المشكلة تبدأ عندما لا يعرف المستثمر أين النص الذي يحدد الشرط الجديد؟ ومتى صدر ومن أي جهة وبأي أداة قانونية؟
ويحذر إسمندر من أن غياب الوضوح قد يضعف الثقة بالقطاع المالي ويدفع بعض الشركات إلى العمل خارج القنوات الرسمية كما قد يقلص المنافسة ويترك السوق أمام عدد محدود من الشركات القادرة على توفير رأس المال المطلوب.
توضيح.. لم يصل
“الوطن” تواصلت مع المكتب الإعلامي في مصرف سورية المركزي وأبلغته بالشكاوى المتعلقة بالتأمينات وبمتطلب رأس المال الجديد.
وجرى الاتفاق على إرسال توضيح رسمي إلى “الوطن” في اليوم التالي إلا أن الرد لم يصل في الموعد المتفق عليه ولا في اليوم الذي تلاه وحتى تاريخ نشر التقرير لم تتلق الصحيفة أي إجابة أو توضيح رسمي.
ولا تعتبر “الوطن” غياب الرد دليلاً على صحة ما تطرحه الشركات بل تضع الوقائع أمام الجهة التنظيمية المعنية لتقديم روايتها وتفسيرها الرسمي.
بلا إجابة
بين مليون دولار تنتظر استردادها و 5 ملايين دولار يفترض أن تكون شرطاً لدخول شركات جديدة إلى السوق تبرز قضية واحدة تتجاوز الرقمين معاً.
كيف تدار القواعد المنظمة لسوق الصرافة؟ وهل يكفي إبلاغ الشركات بمتطلبات مالية جوهرية عبر واتساب أم إن القرارات التي تقيد الاستثمار وتحدد شروط الترخيص وتحتجز أموال الشركات تحتاج إلى سند قانوني معلن ومسار واضح لا يترك المستثمر أمام معلومة بلا قرار.
في القطاع المالي لا تصنع الثقة قوة القرار وحدها بل تصنعها أيضا شرعيته ووضوحه وإعلانه وقابلية المتعاملين لمعرفة حقوقهم والتزاماتهم من دون وسطاء أو رسائل قابلة للتأويل.








