في وقت تتجه فيه الأنظار إلى زيارة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون إلى دمشق وما قد تحمله من فرص اقتصادية واستثمارية، يؤكد أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة الدكتور عبد الرحمن محمد، أن القيمة الحقيقية لهذه الزيارة لا تكمن في حجم التمويل المتوقّع، بل في إمكانية الاستفادة من الخبرة الفرنسية في بناء مؤسسات الدولة وتطوير الإدارة العامة وترسيخ مبادئ الحوكمة والشفافية.
ويرى محمد في تصريح لـ”الوطن”، أن سوريا تحتاج اليوم إلى إصلاح مؤسسي عميق، لأن المشكلة الاقتصادية لا ترتبط فقط بتراجع الموارد أو الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، بل أيضاً بضعف منظومة الإدارة العامة والرقابة المالية، الأمر الذي يجعل بناء المؤسسات الشرط الأول لنجاح أي خطة للتعافي الاقتصادي.
وأضاف: إن فرنسا تمتلك تجربة متقدمة في بناء الإدارة العامة وإعداد الكفاءات وتطوير أنظمة الرقابة والمالية العامة، وهو ما يمكن أن يشكّل فرصة مهمة لسوريا من خلال نقل المعرفة والخبرات وليس الاكتفاء بتقديم الدعم المالي.

وأوضح أن من أبرز المجالات التي يمكن الاستفادة منها إنشاء مدرسة وطنية للإدارة العامة والمالية، تقوم على الكفاءة والجدارة في اختيار وتأهيل القيادات الإدارية، ما يسهم في بناء جهاز حكومي أكثر احترافية وقدرة على إدارة الموارد العامة.
كما دعا إلى الاستفادة من التجربة الفرنسية في إصلاح الإدارة المالية العامة، من خلال الفصل بين صلاحيات اتخاذ قرار الإنفاق وتنفيذ الصرف وتعزيز استقلالية الخزينة العامة، ما يرفع كفاءة الرقابة ويحد من الهدر والفساد.
وأكد أن تطوير الجهاز الرقابي ونشر تقارير دورية عن أداء المؤسسات العامة، يمثلان خطوة أساسية لترسيخ الشفافية وتعزيز ثقة المواطنين والمستثمرين بالإدارة العامة
واعتبر محمد، أن التحوّل الرقمي يشكل أحد أهم مسارات الإصلاح من خلال إطلاق منصة وطنية موحدة للخدمات الحكومية تشمل الضرائب والجمارك وتسجيل الشركات، ما يقلل الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف ويضيّق مساحة الرشوة والوساطة ويرفع كفاءة الخدمات.
وفي ما يتعلق بآليات التعاون مع الجانب الفرنسي، أشار إلى أهمية اعتماد برامج توءمة مؤسسية طويلة الأمد بين المؤسسات السورية والفرنسية، والعمل المشترك على تطوير التشريعات والأنظمة الإدارية والمالية، ما يتوافق مع احتياجات المرحلة المقبلة.
كما شدد على ضرورة الاستثمار في الكفاءات الوطنية عبر برامج تدريب ومنح أكاديمية متخصصة في مجالات المالية العامة والرقابة والاقتصاد والقانون الإداري، لتشكيل جيل جديد من الكوادر القادرة على قيادة عملية الإصلاح.
وختم محمد بالقول إن نجاح التعاون الاقتصادي بين سوريا وفرنسا لن يقاس بحجم الأموال التي يمكن ضخها، بل بقدرته على نقل المعرفة المؤسسية وترسيخ قواعد الإدارة الحديثة. مؤكداً أن الحوكمة ليست ترفاً إدارياً بل هي الأساس الذي يقوم عليه أي تعاف اقتصادي مستدام.








