اعتبر الخبير الأمني والاستراتيجي عصمت العبسي أن إعلان حل “قسد” لا يمثل مجرد خطوة رمزية، بل يشكل إنجازاً استراتيجياً يعيد تعريف الأمن القومي السوري، مشيراً إلى أن الإعلان ينهي فعلياً وجود كيان عسكري موازٍ كان يعمل خارج سلطة الدولة، ويعيد السيادة الكاملة على كامل التراب الوطني، كما يسقط أي ذرائع كانت تستخدم لتبرير التدخلات الأجنبية أو محاولات التقسيم.
وأوضح العبسي في تصريح لـ”الوطن” أن دمج الألوية ضمن الجيش العربي السوري يحقق مبدأ القيادة الموحدة التي لا تقبل التجزئة، لافتاً إلى أن هذا الدمج يحول قوة كانت تعتمد على غطاء خارجي إلى جزء أصيل من المنظومة الدفاعية الوطنية، بما يسمح بمواجهة التهديدات الخارجية بكفاءة أعلى وتوحيد الجهود الأمنية في المناطق الشرقية التي شهدت سابقاً هشاشة نتيجة تعدد الفاعلين المسلحين.
وعلى المستوى السياسي، رأى العبسي أن هذه الخطوة تختزل سنوات من التوتر، وتضع القضية الكردية في إطارها الصحيح، باعتبارها قضية حقوق مواطنة ولغة وثقافة ضمن دستور دولة واحدة، بعيداً عن مشاريع الحكم الذاتي الانفصالية.
وأكد أن نجاح هذا المسار يعتمد في المرحلة المقبلة على ترجمة الوعود الدستورية إلى واقع ملموس يضمن الانسجام المجتمعي، بما يمهد الطريق لاستعادة الاستقرار الدائم وجذب الاستثمارات اللازمة لإعادة الإعمار.
وحول مستقبل مقاتلي «قسد» والعاملين في الدوائر المدنية التي كانت تحت سيطرة «قسد»، قال العبسي، إن هؤلاء “لن يختفوا فجأة”، موضحاً أن عملية الدمج لا تعني إلغاء الوجود البشري، وإنما إعادة هيكلة مؤسسية منظمة.
وأضاف أنه على المستوى العسكري، جرى استكمال عمليات دمج الألوية ضمن تشكيلات الجيش العربي السوري، ما يعني أن المقاتلين أصبحوا جزءاً من المنظومة الدفاعية الوطنية، إما من خلال البقاء في الخدمة وإما عبر برامج تسريح وتعويضات تدار وفق قوانين الدولة، الأمر الذي ينهي حالة “القوة الموازية” ويضمن عدم تحولهم إلى عنصر اضطراب أمني مستقبلاً.
أما على الصعيد المدني، فأوضح العبسي أن الإعلان شمل حل الإدارة الذاتية ودمج دوائرها في مؤسسات الدولة السورية، مشيراً إلى أن الموظفين الحاليين سيجري نقلهم تدريجياً إلى الإدارات الحكومية المختصة، مع الحفاظ على حقوقهم الوظيفية ضمن الإطار القانوني الجديد.
وبين أن الهدف من هذه العملية هو ضمان استمرارية الخدمات الأساسية للسكان وتجنب أي فراغ إداري قد تستغله الفوضى، لافتاً إلى أن ذلك أكده المسار التفاوضي الذي ربط الحل باستكمال التعيينات الإدارية ونقل المؤسسات المدنية بشكل منظم.
وفي الخلاصة الأمنية، قال العبسي إن المسألة تتعلق بتحويل “كيان مواز إلى مؤسسات دولة، موضحاً أن الاختفاء المفاجئ كان سيؤدي إلى إشعال أزمة إنسانية وأمنية، في حين أن الانتقال التدريجي والمنضبط يمثل الضامن الوحيد لاستقرار الشمال الشرعي وتثبيت مبدأ السيادة الكاملة من دون ارتدادات سلبية.
وحول مقاربة تجربة «قسد» وتطبيقها في السويداء، قال العبسي إنه لا يمكن تعميم التجربة بشكل حرفي، لكن المبدأ الاستراتيجي واحد، ويتمثل في استعادة السيادة عبر مسار توافقي تدريجي.
وأشار إلى أن الفارق الجوهري يكمن في طبيعة التحديات الخارجية والداخلية، موضحاً أن تجربة «قسد» نجحت، لأن القيادة الكردية كانت جاهزة للتفاوض ولديها مصلحة في تأمين مستقبل مقاتليها ضمن الدولة، بينما يبقى ملف السويداء معقداً بسبب التدخل الإسرائيلي المباشر ودعمه لبعض الفصائل الانفصالية.
وأضاف أن إسرائيل تستخدم ورقة “حماية الدروز” أداة ضغط سياسي وأمني لإعاقة أي تسوية نهائية وتثبيت وجودها في الحسابات الإقليمية.
وبحسب العبسي، فإن هذا النهج، الذي وصفه بـ”الانتشار الوظيفي”، يهدف إلى استعادة دور الدولة تدريجيا من دون إشعال صدام مباشر، وهو ما يختلف عن آلية الدمج العسكري السريع التي سادت في الشمال الشرقي.
وفي نهاية تصريحه أكد العبسي أن النموذج قابل للنقل كمبدأ، من خلال دمج تدريجي يحافظ على الحقوق المحلية ويؤمن السيطرة المركزية، لكنه شدد على أن تطبيقه في الجنوب يتطلب معالجة خاصة للعامل الإسرائيلي الخارجي قبل الوصول إلى الاستقرار النهائي الذي تحقق مؤخراً في الشرق.
أسرة التحرير









