خلال أقل من أربع وعشرين ساعة، تقاطعت ثلاثة أحداث رسمت ملامح المشهد السوري الجديد: شطب واشنطن اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ثم إعلان مظلوم عبدي حل “قسد” نهائياً واندماجها الكامل ضمن ألوية الجيش السوري، وسط ارتباك إسرائيلي واضح.
هذا التزامن ليس مصادفة، بل نتيجة مسار واحد بدأ يوم 8 كانون الأول 2024 مع تحرير سوريا من النظام البائد.
وجاء إعلان عبدي حل “قسد” كقوة عسكرية مستقلة بعد يوم واحد فقط من قرار الشطب، وهذا التسلسل الزمني له دلالته: الاعتراف الدولي بشرعية الدولة السورية الجديدة كان شرطاً ضمنياً لإنضاج ملف الاندماج، والعكس صحيح أيضاً؛ فإنهاء وجود قوة عسكرية مستقلة خارج إطار الدولة كان أحد المطالب التي رافقت مسار رفع العقوبات.
اتفاق دمج القوات، الذي استغرق أشهراً منذ توقيعه في 30 كانون الثاني الماضي، وصل إلى خاتمته العملية: لا جيش موازٍ، ولا إدارة ذاتية منفصلة، بل مؤسسات وطنية جامعة تحت راية واحدة.

وتعكس تصريحات عبدي حول الانتقال من “ساحات المعارك إلى ساحات البناء” وتأكيد محافظ دير الزور أن المرحلة الجديدة تقوم على الأمان والإعمار والتنمية، محاولة تقديم التسوية باعتبارها انتقالاً من منطق القوة إلى منطق المؤسسات، ومن إدارة مناطق النفوذ إلى إدارة الدولة.
كما أن الإشارة إلى حقوق الكرد في التعليم باللغة الكردية تكشف أن الاندماج لا يقوم بالضرورة على إلغاء الخصوصيات الثقافية، بل على إعادة تنظيمها داخل الإطار الوطني.
هذه المكاسب تزامنت مع ارتباك إسرائيلي واضح، شمل ضربات وتصريحات توصف عادة بالقلق من تمدد نفوذ الدولة السورية.
هذا التوقيت يقرأ في سياق واحد: كلما تقدمت دمشق خطوة نحو الاستقرار الداخلي والانفتاح الدولي، ارتفع منسوب التوتر من الجانب الإسرائيلي.
من هنا، يشكل فقدان إسرائيل “ورقة قسد” كعامل ضغط محتمل على الدولة السورية، بالتزامن مع شطب اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، انتكاسة سياسية لحكومة بنيامين نتنياهو، التي تواجه تراجعاً في هامش قدرتها على التأثير في مسار إعادة بناء الدولة السورية وانفتاحها الإقليمي والدولي. وفي هذا السياق، تبدو محاولات تل أبيب الدفع نحو مزيد من التصعيد أقرب إلى “هروب إلى الأمام” بهدف عرقلة مسار سياسي ودبلوماسي يتقدم رغم الضغوط.
وخلاصة القول، إن الأحداث الثلاثة تقرأ كوحدة واحدة لا كمصادفات متتالية: اعتراف دولي متزايد، وسيادة داخلية مكتملة الأركان، ومحاولات خارجية لإرباك مسار لم تعد الأدوات القديمة قادرة على تعطيله.
أسرة التحرير








