رغم أن الدفع الإلكتروني يمنح الجهات المعنية قدرة أكبر على تتبع حركة الأموال، فإن الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور محمود عبد الكريم يرى أن للرقابة سقفاً يجب قوله بصراحة، لأن المنظومة لا تستطيع رؤية ما لا يدخل إليها، كما أن التشدد في مراحلها الأولى قد يدفع جزءاً من النشاط الاقتصادي إلى البقاء خارجها بدلاً من جذبه إليها.
المنظومة لا ترى إلا ما يدخل إليها..
يقول عبد الكريم إن النظام يرى فقط ما يدخل إليه، فإذا كانت المعاملات الرقمية أقل من 2% من الاقتصاد، فإن الرقابة تغطي أقل من 2% منه وبالتالي، فإن الحديث عن السيطرة على الاقتصاد غير المنظم قبل الوصول إلى نسبة استخدام لا تقل عن 20% يبقى نظرياً.
فالاقتصاد غير المنظم، بقدر ما يبقى خارج القنوات الرقمية، يظل خارج نطاق السجل الذي تنتجه العمليات الإلكترونية، ما يعني أن نجاح الرقابة يرتبط أولاً بقدرة منظومة الدفع على الانتشار الفعلي في النشاط الاقتصادي.
التشدد قد يدفع النشاط خارج المنظومة
ويرى عبد الكريم أن التشدد المبكر قد يدفع النشاط إلى خارج النظام بدلاً من جذبه إليه، وخصوصاً أن السوق السورية تتعامل بثلاث عملات، مع وجود فروق ملحوظة في أسعار الصرف.
فالسعر الرسمي للدولار يبلغ 121.50 ليرة للشراء و122.50 للبيع، في حين يبلغ سعر السوق الموازية في دمشق نحو 136.5 ليرة، أي بفارق بحولى 10% عن السعر الرسمي.
وفي الحسكة يسجل السعر أعلى بنسبة 19% من السعر الرسمي و11% من سعر دمشق.
ويطرح عبد الكريم هذه الفجوة باعتبارها عاملاً مؤثراً في سلوك المتعاملين، إذ يقول إن من يعمل ضمن فارق يبلغ 19% لن يدخل طوعاً إلى منظومة خاضعة للمراقبة إذا كانت الكلفة التي يتحملها أعلى من المنفعة التي يحصل عليها.
نقاط خطر جديدة
وفي الوقت نفسه، أنشأ النظام نقطتي خطر جديدتين، الأولى تتمثل في الطرف الخارجي الذي يُعهد إليه بالأعمال الفنية والتقنية كلياً أو جزئياً، والثانية في الوكيل الذي يعمل لحساب المرخص له وتبقى المسؤولية القانونية في الحالتين على عاتق المرخص له، بينما يتم التنفيذ الفعلي من خلال طرف ثالث.
ويرى عبد الكريم أن هذه كانت بالضبط الثغرة التي استخدمت في غسل الأموال في تجارب إقليمية سابقة، ما يجعل الرقابة على الأطراف التي تنفذ الخدمات لحساب مقدمي خدمات الدفع مسألة أساسية.
العناية الواجبة..
ويطرح عبد الكريم حلاً عملياً يتمثل في تطبيق “العناية الواجبة المتدرجة” بحيث يكون حجم التوثيق متناسباً مع مستوى المخاطر، بدلاً من فرض قاعدة موحدة على جميع العمليات.
وبحسب هذا النموذج، يمكن فتح محفظة بسقف شهري لا يتجاوز مليون ليرة جديدة باستخدام رقم الهوية ورقم الهاتف فقط، ومن دون مستندات إضافية، بينما تحتاج المحفظة التي يصل سقفها إلى 10 ملايين ليرة إلى مستندات إضافية، بينما تخضع المبالغ الأكبر للتوثيق الكامل.
ويشير عبد الكريم إلى أن هذا النموذج أدخل أكثر من 30 مليون شخص إلى النظام المالي في كينيا وحدها، ويرى أنه الأكثر ملاءمة لبلد يعود إليه ملايين النازحين، وكثير منهم لا يملكون أوراقاً ثبوتية.
التحدي هو جذب الأموال..
وبذلك، فإن التحدي أمام الدفع الإلكتروني لا يتعلق بإنشاء أدوات رقابية فقط، بل بقدرة المنظومة على جذب حجم كافٍ من النشاط الاقتصادي إليها فكلما بقيت نسبة كبيرة من التعاملات نقدية، بقي جزء كبير من حركة الأموال خارج نطاق الرؤية الإلكترونية.
ومن وجهة نظر عبد الكريم، فإن تحقيق هذا الهدف يتطلب موازنة دقيقة بين الرقابة من جهة، وسهولة الدخول إلى النظام من جهة أخرى، بحيث لا تتحول متطلبات التوثيق والرقابة إلى عامل يدفع المواطنين والتجار إلى الاستمرار في التعامل خارج المنظومة.
وهنا تصبح “العناية الواجبة المتدرجة” أداة لتحقيق التوازن بين إدخال أكبر عدد ممكن من المتعاملين إلى النظام المالي، والحفاظ في الوقت نفسه على متطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مع مراعاة اختلاف مستويات المخاطر وحجم العمليات.









