يحمل التصريح الأخير للمبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك بشأن السويداء دلالة تتجاوز الدعوة التقليدية إلى التهدئة وضبط النفس، وذلك بسبب اللغة التي استخدمها والمسؤول الذي صدرت عنه.
فحين يقول مسؤول أميركي بارز إن “غياب الحوكمة” يفتح المجال أمام “العصابات” لملء الفراغ، وإن الردود العسكرية المتسرعة ينبغي أن تبقى “حصراً في يد الدولة”، فإن واشنطن تكون قد وضعت بوضوح غير معتاد، مسألة سلطة الدولة في قلب مقاربتها لأزمة السويداء.
والأكثر أهمية أن براك تحدث عن ضرورة “إعادة دمج السويداء” في سوريا، مؤكداً أن خريطة الطريق الثلاثية التي وقعتها الولايات المتحدة وسوريا والأردن لا تزال المسار الوحيد الذي يمكن أن يقود إلى نتيجة مختلفة عن تجدد العنف، وهو بذلك لا يتحدث عن ترتيب مؤقت بين قوى محلية متنافسة، بل عن عودة المحافظة إلى إطار الدولة، مع ضمان حقوق المواطنة وواجباتها لأبنائها.
ولعل أقوى ما في الموقف الأميركي الجديد هو انتقال الخطاب من الحديث العام عن “أطراف” و”مكونات” إلى توصيف سلوك محدد: مجموعات تملأ فراغ غياب الحكم وأفراد ذوو “دوافع سامة” ينقلبون على أبناء مجتمعهم.
وهنا تكمن الرمزية السياسية للتصريح، فالمشكلة وفق هذه المقاربة، لم تعد بين الدولة ومجتمع محلي فحسب، بل باتت أيضاً داخل المجتمع نفسه: سلاح منفلت وخطف وترهيب وإقصاء، وفرض للرأي بالقوة.
وتقدم قضية عاطف هنيدي مثالاً بالغ الدلالة على ذلك، فالرجل وهو من الشخصيات المحلية المعروفة، تعرض للاعتقال من منزله بعد موقف سياسي انتقد فيه تصريحات المدعو حكمت الهجري، قبل أن يتم طرده من السويداء إلى دمشق.
لكن حادثة هنيدي لا تبدو مجرد واقعة منفردة، فحين يصبح حمل السلاح وسيلة لفرض المواقف السياسية، وحين تتحول الخلافات داخل المجتمع إلى خطف واقتحام للمنازل وإبعاد لأصحاب الرأي المخالف، فإن السلاح لا يعود وسيلة للحماية، بل يتحول إلى سلطة بديلة عن القانون.
وهذا ما يجعل حديث براك عن “العصابات” أكثر من مجرد توصيف سياسي، فالعصابة في معناها الوظيفي، هي عندما تتحول القوة المسلحة إلى أداة لفرض الإرادة خارج المؤسسات، وحين يصبح الخوف وسيلة لإدارة المجتمع.
وتتصل بذلك مظاهر أخرى من الضغط على السكان، بينها سرقة المواد الغذائية والمساعدات والمحروقات والترويج لشائعات عن إغلاق الطرق، بما ينعكس على حركة التجارة والأسعار والمعيشة، وقد اتهم محافظ السويداء مصطفى البكور مجموعات خارجة عن القانون باستغلال الظروف المعيشية للسكان والتضييق عليهم، مؤكداً أن طريق دمشق–السويداء سالك وأن البضائع تدخل إلى المحافظة بصورة طبيعية.
ومن هنا تكتسب عبارة براك حول أن خيار القوة والردود العسكرية يجب أن يبقى في يد الدولة أهميتها، فهي لا تعني في جوهرها، الدعوة إلى مواجهة عسكرية جديدة، وإنما تعني أن معالجة الجريمة لا يمكن أن تتم بجريمة أخرى، وأن الأمن لا يمكن أن يستقر في ظل تعدد القوى المسلحة، وأن حماية المدنيين لا تتحقق بإبقاء المجتمع رهينة للسلاح.
لذلك، فإن أهمية تصريح براك لا تكمن في كلمة “عصابات” وحدها، رغم قوتها ورمزيتها، وإنما في المعادلة التي وضعها خلفها، وهذه في جوهرها، ليست وصفة لتكريس عزلة السويداء، بل طريق لإخراجها من العزلة التي صنعها السلاح المنفلت، وإعادتها إلى المجال الوطني السوري، ولا يمكن لمجتمع أن يحمي كرامته إذا أصبح الخوف من السلاح أقوى من الاحتكام إلى القانون.
أسرة التحرير









