في مشهد فني يتسارع فيه اقتحام الخوارزميات لعوالم الإبداع، يبرز لدينا سؤال جوهري، هل العلاقة بين الفن التشكيلي والذكاء الاصطناعي علاقة صراع أم تكامل؟ وهل يعيد هذا الحضور التكنولوجي تعريف مفاهيم الجمال والإبداع كما نعرفها؟
الذكاء الاصطناعي، بقدرته على توليد الصور، يظل عاجزاً عن اختبار مشاعر الفقدان والحيرة والخوف وما إلى ذلك، أو خوض أي تجربة وجودية، فتظل قيمة الفن مرهونة بالصلة العضوية بين العمل الفني وصاحبه، بما يحمله من مشاعر وأفكار، وبالسياق الذي وُلِد فيه.
في رأي الفنان التشكيلي عدنان حميدة، يأتي الذكاء الاصطناعي كأداة جديدة تضاف إلى أدوات الفن، تشبه الكاميرا والوسائط الرقمية التي ظهرت في مراحل سابقة، يمكنه أن يكون معيناً للفنان في البحث والتجريب وتوليد الأفكار واستكشاف احتمالات بصرية جديدة، لكنه لا يعوّض التجربة الإنسانية التي تمثل جوهر العمل، فالفن بحسب حميدة ليس تركيباً بصرياً جميلاً فحسب، بل هو تجربة وذاكرة وموقف وشعور ورؤية خاصة.

ورأى حميدة في تصريحه لـ”الوطن” أن هذه التقنية ليست منافساً للفنان الحقيقي، بل وسيلة تحتّم على المبدع تطوير أدواته ووعيه، مؤكداً أن التنافس الحقيقي اليوم ليس بين الإنسان والآلة، بل بين من يمتلك رؤية فنية أصيلة ومن يكتفي باستخدام الأدوات من دون عمق.
وعن استمرار الرسم رغم قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج لوحات مبهرة، أوضح حميدة أن الفعل الإبداعي يتجاوز مجرد الوصول إلى صورة جميلة؛ فالرسم تجربة إنسانية وفكرية ووجدانية، وحين يمسك الفنان بالفرشاة، يترك أثراً من تجربته وذاكرته ومشاعره وقلقه، في حين ينتج الذكاء صورة خلال ثوانٍ من دون أن يعيش حياة صاحبها أو يعرف أسباب اختياراته.
كما أكد حميدة أن الرسم سيستمر بل قد يزداد أهميّة، لأن الإنسان سيظل بحاجة للتعبير عن ذاته بيديه وروحه، حتى في زمن تنتج فيه الآلة ملايين الصور.
وختم: “الذكاء الاصطناعي يصنع صورة، لكنه لا يمنحها بالضرورة تجربة إنسانية. ومهمة الفنان ليست منافسة الآلة في السرعة، بل تقديم ما لا تستطيع الآلة معايشته: إنسانيته ورؤيته الخاصة”.
أما الفنان والخطاط أحمد كمال، فأوضح أن الذكاء الاصطناعي متمم ومساعد في العملية الفنية، إذ يختلف طلب الفنان عن غير الفنان؛ فالمبدع يتخيل ويرسم لوحة على سبيل المثال، وينفذه الذكاء بالألوان والدقة، لكن التنفيذ النهائي على القماش يظل بحاجة إلى يد الفنان وحسه ولمسته.
ونبّه كمال إلى قصور الذكاء الاصطناعي في تنفيذ اللوحة الحروفية بالخط العربي، لعدم إتقانه تراكيب الحروف وميزانها واتصالاتها، وعليه، يكتب الخطاط التركيبة كاملةً، ولا يستعين بالذكاء إلا لتلوين الخلفية أو وضع التصميم على جدار أو تنفيذه على حجر، مؤكداً أن التقنية لا تأخذ دور الفنان مطلقاً، بل تُكمل فكرته وتُعطيه تصوراً مسبقاً قبل التنفيذ.








