سوريا تدين استهداف أراضي البحرين والكويت والأردن بطائرات وصواريخ مصدرها إيران وتؤكد أنّ أمن واستقرار الدول العربية جزء لا يتجزأ من أمن واستقرار المنطقة ككل

البعثات الدبلوماسية والقنصلية الإفريقية في سوريا تحتفل بيوم إفريقيا

وزير الزراعة يبحث مع سفير الإمارات التعاون وفرص الاستثمار الزراعي

إنذار بإخلاء مدينة صور اللبنانية وسط نزوح كثيف وسقوط ضحايا

عاجل – مقر خاتم الأنبياء الإيراني يعلن وقف الهجمات على إسرائــيل

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

الرئيس الشرع يكسر قواعد اللعبة في لبنان ويطيح بذاكرة النفوذ التقليدية

‫شارك على:‬
20

لم تكن مقابلة الرئيس أحمد الشرع مع قناة المشهد مجرد رد على جدل سياسي أثارته تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن لبنان، بل بدت أقرب إلى إعلان متكامل عن فلسفة سورية جديدة في مقاربة الملفات الإقليمية عموماً، والملف اللبناني على وجه الخصوص.

فالقراءة المتأنية للمقابلة تكشف أن الرسالة الأساسية لم تكن متعلقة بمسألة التدخل العسكري من عدمه، بقدر ما كانت مرتبطة بإعادة تعريف الدور السوري نفسه بعد التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة وسوريا خلال السنوات الأخيرة.

رسالة الرئيس الشرع جاءت حاسمة عندما قال: “لدينا من الشجاعة ما يكفي إذا أردنا أن ندخل في ميدان حرب أو صراع أن نقول ذلك علناً”، هذه العبارة لم تكن مجرد رد على التكهنات التي أعقبت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بل كانت إعلاناً واضحاً عن طبيعة السياسة السورية الجديدة تجاه لبنان والمنطقة عموماً.

فعلى مدى عقود، ارتبط اسم سوريا في لبنان بمعادلات النفوذ والتوازنات الأمنية والتجاذبات الإقليمية، أما في مقابلة الرئيس الشرع اليوم، فإن الأولوية انتقلت من إدارة التوازنات الأمنية إلى صناعة الاستقرار، ومن منطق الصراع إلى منطق التنمية، ومن مفهوم الوصاية إلى مفهوم الشراكة بين دولتين متجاورتين تتقاسمان الجغرافيا والمصالح والمصير.

والأهمية السياسية للمقابلة لا تكمن فقط في ما قيل، بل أيضاً في ما تم تجاوزه، إذ إن الرئيس الشرع تحدث بصراحة عن الدور الذي لعبه حزب الله في الحرب السورية، واعتبر أن تدخله كان خطأً تاريخياً ساهم في تعميق الجرح السوري، وهو جرح لا يزال حاضراً في الذاكرة الوطنية السورية بعد سنوات طويلة من الحرب والدمار والنزوح والخسائر البشرية الهائلة.

غير أن اللافت أن هذا الاعتراف لم يتحول إلى منصة للانتقام السياسي أو لتصفية الحسابات التاريخية، بل جرى توظيفه في اتجاه معاكس تماماً، فبدلاً من استدعاء الماضي لتبرير صراع جديد، استُخدم الماضي للتحذير من تكرار المأساة نفسها في لبنان.

هنا تحديداً يمكن فهم البعد الأعمق في خطاب الرئيس الشرع، حيث لم يتحدث بلغة المنتصر الذي يسعى إلى إعادة رسم موازين القوى في لبنان، بل بلغة رجل دولة يرى أن انهيار لبنان لن يكون مكسباً لأحد، وأن استقرار بيروت جزء من استقرار دمشق، وأن أي فوضى لبنانية جديدة ستتحول سريعاً إلى أزمة إقليمية عابرة للحدود.

ومن هذه الزاوية، تبدو المقاربة السورية الجديدة مختلفة عن كثير من المقاربات المطروحة إقليمياً ودولياً، فبينما تنظر أطراف عديدة إلى الأزمة اللبنانية من زاوية سلاح حزب الله أو الصراع مع إسرائيل أو النفوذ الإيراني، يطرح الشرع رؤية أوسع تعتبر أن جوهر الأزمة يكمن في انهيار الدولة اللبنانية وعجزها عن إنتاج تسوية وطنية جامعة.

ولذلك لم يركز على الأدوات العسكرية أو الأمنية، بل على إعادة بناء المؤسسات، وتعزيز الحوار بين المكونات اللبنانية، وإيجاد بيئة اقتصادية قادرة على إنتاج الاستقرار، وهذا تحول مهم في التفكير السياسي، لأنه ينقل النقاش من كيفية إدارة الأزمة إلى كيفية إنهائها.

كذلك حملت المقابلة بعداً استراتيجياً آخر يتمثل في إعادة تعريف العلاقات السورية اللبنانية على أسس اقتصادية، فعندما يتحدث الرئيس الشرع عن خطوط اقتصادية بدلاً من خطوط عسكرية، فإنه لا يستخدم توصيفاً إنشائياً، بل يعكس رؤية جيوسياسية كاملة ترى أن مستقبل المشرق العربي سيتحدد بقدرته على التحول إلى فضاء للتكامل الاقتصادي لا إلى ساحة للصراعات المفتوحة.

وفي هذا السياق، تصبح بيروت وطرابلس جزءاً من مشروع إقليمي أوسع للربط التجاري والنقل والطاقة، وتصبح العلاقة بين سوريا ولبنان جزءاً من شبكة مصالح متبادلة تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة.

أما الرسالة الأكثر أهمية التي تلقفها كثير من المراقبين، فهي أن دمشق الجديدة تحاول تقديم نفسها باعتبارها دولة تبحث عن الاستقرار الإقليمي لا عن توسيع ساحات النفوذ، ولهذا جاء التأكيد المتكرر على الحوار وعلى رفض الحرب، وعلى أن أي دور سوري محتمل في لبنان يجب أن يكون منسجماً مع إرادة اللبنانيين ومصالح البلدين معاً.

لهذا السبب تحديداً لاقت المقابلة ارتياحاً واسعاً لدى شرائح مختلفة من السوريين واللبنانيين، فبعد سنوات من الحروب والانقسامات، بدا أن الرسالة السورية الجديدة لا تتحدث عن الماضي بقدر ما تتحدث عن المستقبل، ولا تبحث عن استعادة معادلات انتهت، بل عن بناء معادلات جديدة عنوانها الدولة والاستقرار والتنمية.

الوطن – أسرة التحرير