في مثل هذا اليوم من عام 2012، لم يكن العقيد الطيار حسن مرعي الحمادة يقوم بطلعة تدريبية عادية فوق جنوب سوريا، بل كان يكتب صفحة جديدة في تاريخ الضمير السوري، أقلع بطائرته المقاتلة من طراز “ميغ-21” من مطار خلخلة العسكري، لكنه لم يتجه نحو الهدف الذي كان مرسوماً له على الخرائط العسكرية، بل نحو الهدف الذي رسمه له ضميره، حلق على ارتفاع منخفض متجنباً الرادارات، وعبر الحدود إلى الأردن في رحلة وصفها لاحقاً بأنها “أصعب إقلاع وأصدق هبوط”.
لم يكن الحمادة أول من قال “لا” في وجه تحويل الطائرات السورية إلى أدوات قتل ضد أبناء بلده، كما لم يكن آخرهم، قبله بسنوات طويلة، وقف طيارون سوريون في مواجهة أوامر اعتبروها مناقضة لشرف المهنة العسكرية ورسالة الجندية، حيث رفض الطيار أحمد عبد القادر الترمانيني المشاركة في قصف مخيم تل الزعتر الفلسطيني في لبنان عام 1976، فانشق بطائرته متوجهاً إلى العراق، وبعده بسنوات، انشق الطيار مأمون النقار والطيار عبد العزيز العبد بطائرتيهما إلى الأردن عام 1980، احتجاجاً على سياسات نظام المجرم “حافظ الأسد” آنذاك.
قد لا يعرف كثير من السوريين أسماء هؤلاء الرجال اليوم، فالقبضة الأمنية التي حكمت البلاد لعقود لم تكتفِ بإخفاء المعارضين في السجون، بل سعت أيضاً إلى محو قصصهم من الذاكرة الوطنية، حيث كان المطلوب أن يبقى الطيار المنشق خائناً في الرواية الرسمية، لا صاحب موقف أخلاقي دفع ثمناً باهظاً دفاعاً عن إنسانيته، لكن الزمن أثبت أن بعض القرارات الفردية الصغيرة تتحول مع السنوات إلى شواهد كبرى على انتصار الضمير.

لقد كان الطيار السوري في زمن النظام البائد، يعيش أحياناً أكثر اللحظات قسوة في تاريخه المهني، فالمقاتلة التي صُممت لحماية الحدود تحولت إلى أداة لقصف المدن والبلدات والمخيمات، والطائرة التي يفترض أن تكون رمز السيادة الوطنية أصبحت في نظر كثير من السوريين نذيراً للموت، كان صوت المحرك في السماء كافياً ليهرع الأطفال إلى الأقبية، وتتشبث الأمهات بأبنائهن، ويحبس الناس أنفاسهم بانتظار ما ستحمله الدقائق التالية من نار ودمار وأشلاء.
أما اليوم، وبعد سقوط نظام الأسد وبدء مرحلة جديدة في تاريخ سوريا، فإن المشهد تبدل، إذ لم تعد الطائرة رمزاً للخوف، بل عادت إلى معناها الطبيعي كرمز للحماية والسيادة والأمان، وبات الأطفال يرفعون رؤوسهم نحو السماء ملوحين للطائرات بدلاً من الهروب منها، وأصبحت مشاهد إلقاء الورود والتحية في المناسبات الوطنية تختصر المسافة الهائلة بين زمنين: زمن كانت فيه الطائرة تحمل البراميل والصواريخ، وزمن تسعى فيه إلى حمل رسائل الفرح والأمل.
هذه المفارقة ليست مجرد تبدل في وظيفة سلاح أو مؤسسة عسكرية، بل هي انعكاس لتحول أعمق في العلاقة بين الدولة ومواطنيها، فالسوري الذي كان يخشى السماء لأن الخطر يأتي منها، يريد اليوم أن يراها مصدر طمأنينة وثقة، والطيران الذي ارتبط في ذاكرة أجيال كاملة بصوت الانفجارات، يسعى لأن يستعيد صورته كجناح يحمي الوطن لا كسيف مسلط على أبنائه.
وبين سماء الأمس وسماء اليوم تختصر الحكاية السورية، فبعدما كان هدير الطائرات يوقظ الخوف في القلوب، بات الأطفال يلوحون لها وهي تعبر فوق رؤوسهم حاملةً الأمان والطمأنينة، إنها شهادة على شجاعة من قالوا “لا” حين كان الصمت أسهل، ودليل على أن السماء التي عرفت يوماً الصواريخ والبراميل، باتت اليوم تروي للأجيال حكاية وطن عادت طائراته تحلق فوق شعبه بالورود لا بالنار.
الوطن – أسرة التحرير








