المزيد

‫آخر الأخبار:‬

الراتب لا يكفي 4 أيام.. خبير لـ”الوطن”: الأسرة تحتاج إلى 7.9 ملايين لتأمين الحد الأدنى

‫شارك على:‬
20

تعدّ أزمة الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة في سوريا من أعقد التحديات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد المحلي، إذ تحول الاختلال بين القدرة الشرائية ومستويات التضخم المتلاحقة إلى واقع يعيد رسم السلوك الاستهلاكي والأنماط الاجتماعية للأسرة السورية، وفق ما يراه الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي في حديثه لـ”الوطن”.

تكلفة المعيشة أمام الأجور الحالية

تظهر البيانات ومؤشرات قياس أسعار المستهلك أن تأمين الاحتياجات الأساسية لأسرة مكونة من خمسة أفراد يتطلب مبالغ مالية تفوق قدرة الدخل التقليدي بأضعاف مضاعفة، ويحتاج الحد الأدنى للبقاء على قيد الحياة إلى نحو 7.8 إلى 7.9 ملايين ليرة سورية شهرياً لتغطية الاحتياجات الأساسية جداً من دون أي رفاهية، بينما يصل متوسط العيش المقبول لتغطية متطلبات الحياة المستقرة إلى ما بين 11.5 و12.5 مليون ليرة سورية شهرياً.

في المقابل، لا يتجاوز الحد الأدنى الرسمي للأجور في القطاع العام نحو 12,560 ليرة سورية، ما يعني أن الراتب الحكومي لا يغطي سوى نحو 10 بالمئة من التكاليف المطلوبة، ليكفي إنفاق الأسرة لمدة لا تتجاوز أربعة أيام في أفضل الأحوال.

الغذاء يستحوذ على الجزء الأكبر

تستحوذ سلة الغذاء والشراب على النصيب الأكبر من دخل الأسرة، بنسبة تتراوح بين 45 بالمئة و60 بالمئة، وذلك بسبب الارتفاع المستمر في أسعار المواد الأساسية كاللحوم والألبان والزيوت، ويأتي بند السكن والخدمات في المرتبة الثانية، ليستقطع نحو 20 بالمئة إلى 25 بالمئة من التكاليف، ولا يقتصر هذا البند على بدلات الإيجار المرتفعة فحسب، بل يشمل النفقات الإضافية الناجمة عن تراجع الخدمات العامة، مثل شراء مياه الصهاريج واشتراكات الأمبيرات والتدفئة، ثم تأتي بعد ذلك نفقات الصحة والتعليم والمواصلات، التي تضغط بشكل متزايد على الميزانية المتبقية للأسرة.

تراجع الليرة وتكاليف الطاقة يضغطان

يرجع التسارع الحالي في معدلات التضخم إلى مزيج من العوامل الهيكلية والسياسات الاقتصادية المتداخلة، في مقدمتها التراجع المستمر في قيمة الليرة السورية واضطراب أسعار الصرف، ما يولد “تضخماً مستورداً” يرفع تكلفة كل المواد الاستهلاكية والأولية.

ويضاف إلى ذلك الارتفاع المتكرر في تكاليف الطاقة والمشتقات النفطية والكهرباء، والذي يلقي بتبعاته الفورية على أجور النقل وشحن البضائع والإنتاج الزراعي والصناعي.

كما يلعب تراجع الإنتاج المحلي وضعف سلاسل الإمداد، إلى جانب ظاهرة “التسعير الوقائي” من التجار لمواجهة المخاطر والمضاربات المستقبلية، دوراً محورياً في إبقاء المستويات السعرية مرتفعة حتى في فترات ثبات الطلب.

فجوة الدخل تعيد تشكيل سلوك الأسرة

أدى اتساع الفجوة بين الدخل والتكاليف إلى تآكل شبه كامل للطبقة الوسطى وانتقال معظم السكان إلى مستويات الاعتماد على الدعم والمساعدات، واضطرت الأسر إلى تطبيق سياسة تقشف قسرية عبر الاستغناء عن الأغذية ذات القيمة الغذائية العالية والتركيز على النشويات، فضلاً عن تأجيل الرعاية الطبية والخدمات التعليمية غير الأساسية.

كما أصبحت التحويلات المالية الخارجية من المغتربين المصدر الرئيس لردم هذه الفجوة المالية لدى معظم العائلات، مع لجوء أرباب الأسر إلى العمل في وظائف متعددة أو الانخراط في اقتصاد الظل لتأمين الحد الأدنى من القوت اليومي.

معالجة الفجوة

يتطلب الخروج من هذه الفجوة معالجة الاقتصاد الكلي عبر ربط أي زيادة في الأجور بمعدلات التضخم الحقيقية، بالتوازي مع تحفيز الإنتاج المحلي الزراعي والصناعي لتخفيض تكاليف السلة الغذائية وتقليل الاعتماد على الواردات.

كما يستدعي الوضع تحسين جودة الخدمات العامة والكهرباء لتخفيف العبء المالي الذي تفرضه الخيارات البديلة المكلفة على المواطنين، إضافة إلى ضبط استقرار الأسواق وسعر الصرف لضمان عدم امتصاص التضخم لأي زيادة اسمية في الأجور، وتوجيه الدعم الاجتماعي بفاعلية نحو الفئات الأكثر احتياجاً.