صدرت اليوم تفاصيل الزيادة النوعية للرواتب والأجور الخاصة بالعاملين في وزارتي التربية والتعليم العالي، في خطوة وصفتها وزارتا المالية والتعليم العالي بأنها تأتي في إطار دعم الكوادر العاملة في مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي، وتعزيز استقرارها الوظيفي، بما ينعكس على جودة العملية التعليمية والبحثية، ويرفد الجامعات والمعاهد والمشافي الجامعية ببيئة عمل أكثر قدرة على الاستمرار والتطور.
وأكدت الوزارتان أن الاستفادة من الزيادة النوعية تُحدّد وفق اللوائح الرسمية المعتمدة، وحسب المسمى الوظيفي والصفة القانونية للعامل، ولا تُبنى على اسم الجهة وحدها، مشددتين على أن التكامل بين السياسة المالية والسياسة التعليمية هو الطريق العملي لتحويل القرارات إلى أثر ملموس ينعكس على المؤسسة الجامعية وجودة خدماتها.
كما أشارتا إلى أن الاستثمار في الكادر البشري يشكل ركناً أساسياً في النهوض بقطاع التعليم العالي، وأن تحسين الظروف المعيشية للعاملين في هذا القطاع خطوة ضرورية لبناء منظومة تعليمية وبحثية أكثر قدرة على خدمة المجتمع، ودعم الجامعة والطالب والبحث العلمي.

فجوة بين الرواتب
غير أن التعليمات التنفيذية الخاصة بالزيادة النوعية أثارت حالة من الجدل على بعض صفحات التواصل الاجتماعي، ليس بسبب رفض فكرة الزيادة بحد ذاتها، بل بسبب طبيعة الفروقات الكبيرة التي أظهرتها الجداول الجديدة، وما رافقها من تساؤلات حول العدالة الوظيفية، وإعادة هيكلة التعويضات، والأثر الحقيقي على صافي دخل العاملين.
ووصفت بعض التعليقات الزيادة بغير العادلة في إشارة إلى الهوة بين رواتب تجاوزت 2000 دولار في بعض الحالات وأخرى بقيت بحوالي 200 دولار.
أستاذ إدارة الأعمال في جامعة حلب الدكتور خليل حمدان أكد ل”الوطن” أنه لا أحد يختلف على أن تحسين رواتب العاملين في الدولة خطوة ضرورية بعد سنوات طويلة من التآكل المعيشي والضغوط الاقتصادية، كما أن دعم قطاعات التعليم والصحة والبحث العلمي يعد ضرورة استراتيجية لأي دولة تريد الحفاظ على كفاءاتها وإعادة بناء مؤسساتها.
واعتبر أنه من الطبيعي أيضاً أن يتم الترحيب بالزيادات النوعية التي استهدفت بعض الاختصاصات النادرة أو المواقع الحساسة، لأن الحفاظ على العقول والخبرات العلمية والطبية والأكاديمية لم يعد ترفاً، بل أصبح جزءاً من الأمن الوطني والتنموي للدولة.
الفجوة التي أثارت القلق:
لكن حمدان يرى أن الجدل الحقيقي بدأ عندما ظهرت الجداول التنفيذية، واتضح حجم الفجوة بين بعض الرواتب الجديدة داخل القطاع العام نفسه، ففي الوقت الذي تجاوزت فيه بعض الرواتب مستويات مرتفعة نسبياً، بقيت فئات واسعة من المعلمين والموظفين الإداريين والفنيين والعاملين في الوظائف الدنيا ضمن مستويات دخل لا تزال بعيدة عن الحد الأدنى المقبول للمعيشة.
وأضاف: هنا بدأ السؤال الأكثر حساسية: هل نحن أمام سياسة مدروسة لتحفيز الكفاءات، أم أمام حالة تفاوت حاد قد تتحول تدريجياً إلى شعور بالتمييز أو العنصرية الوظيفية داخل مؤسسات الدولة؟، فالقطاع العام لا يقوم على مبدأ الإنتاجية فقط، بل أيضاً على الإحساس بالاستقرار والعدالة والتوازن الاجتماعي داخل المؤسسة الواحدة.
كما يرى حمدان أنه من الطبيعي أن توجد فروقات بين قطاع وآخر وبين وظيفة وأخرى حسب طبيعة العمل والمسؤولية والندرة والخبرة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الفروقات إلى فجوات هائلة يصعب تبريرها اجتماعياً ووظيفياً.
من الراتب الثابت إلى الحوافز المرتبطة بالإنتاج
وشدد حمدان على أن التمييز الحقيقي داخل أي مؤسسة ناجحة يجب ألا يقوم فقط على المسمى الوظيفي، بل على مستوى الإنتاج والكفاءة والإنجاز، وهنا تظهر نقطة أساسية ربما تحتاجها المرحلة القادمة أكثر من أي وقت مضى، وهي الانتقال التدريجي من مفهوم الراتب الثابت المتشابه إلى مفهوم الحوافز المرتبطة بالإنتاج والأداء الحقيقي، معتبراً أنه من غير المنطقي أن يبقى الموظف المجتهد وصاحب الكفاءة والإنتاجية العالية ضمن المستوى نفسه مع موظف يعاني ضعف الأداء أو يمارس شكلاً من أشكال البطالة المقنعة داخل المؤسسات.
كما أن العدالة لا تتحقق فقط عبر رفع الرواتب الأساسية، بل أيضاً عبر بناء نظام حوافز مرن وعادل يكافئ الموظف المنتج، ويفسح المجال أمام أصحاب الكفاءات لتحسين دخلهم من خلال الإنجاز والتطوير والالتزام والإبداع.
ولفت أستاذ إدارة الأعمال إلى أن هذا النموذج مطبق في كثير من الدول والمؤسسات الناجحة، حيث يكون هناك حد أدنى عادل للجميع يضمن الاستقرار المعيشي، ثم تبدأ الفروقات لاحقاً بناءً على الإنتاجية والكفاءة وحجم المسؤولية والنتائج الفعلية، مضيفًا: أما عندما تكون الفروقات الأساسية ضخمة منذ البداية من دون وجود منظومة واضحة لربط الأداء بالحوافز، فإن ذلك يفتح الباب أمام الشعور بالإحباط وفقدان الحافز لدى شرائح واسعة داخل القطاع العام.
دعم الكفاءات ضرورة.. لكن ليس على حساب العدالة
وأكد حمدان أن المشكلة هنا ليست في دعم الأستاذ الجامعي أو الطبيب أو الباحث أو الاختصاصي، فهذه القطاعات تستحق الدعم فعلاً، وخاصة بعد سنوات من هجرة الكفاءات والاستنزاف العلمي والطبي، لكن المشكلة تظهر عندما يشعر المعلم أو الموظف الإداري أو العامل الفني بأن دخله لم يعد يكفي أساسيات الحياة، بينما يرى قفزات ضخمة في قطاعات أخرى من دون وجود شرح واضح للمعايير التي بنيت عليها هذه الفروقات.
وأضاف: القراءة الأولية للتعليمات تكشف أيضاً أننا لا نتحدث عن زيادة رواتب فقط، بل عن إعادة هيكلة كاملة للتعويضات والحوافز والأجور الإضافية، وهي نقطة شديدة الحساسية لأنها تمس التوازن المالي والمعنوي داخل مؤسسات الدولة، فالمادة العاشرة مثلاً نصت على إلغاء التعويضات السابقة للفئات المشمولة بالتعويض الجديد، ما يعني عملياً إلغاء عدد من تعويضات طبيعة العمل التي كانت تشكل جزءاً أساسياً من دخل بعض الشرائح الوظيفية، وهنا بدأ القلق الحقيقي لدى كثير من العاملين، لأن جزءاً كبيراً من الدخل لم يكن يعتمد على الراتب الأساسي فقط، بل على التعويضات المتراكمة عبر سنوات طويلة، لذلك فإن السؤال الذي يتكرر داخل المؤسسات اليوم ليس “كم أصبحت الزيادة؟” بل “هل عوضت الزيادة الجديدة فعلياً ما تم إلغاؤه؟” وهذا ما يفسر حالة الجدل الحالية، خاصة في ظل غياب جداول مقارنة تفصيلية توضح بشكل دقيق الراتب السابق، والراتب الجديد، والتعويضات الملغاة، والتعويضات الجديدة، وصافي الدخل النهائي الحقيقي لكل فئة وظيفية.
مفارقة الرقم الاسمي والدخل الحقيقي
واوضح حمدان أنه في القطاع التعليمي تحديداً، كانت تعويضات طبيعة العمل تشكل سابقاً جزءاً مهماً من دخل بعض الفئات، وخاصة أعضاء الهيئة التدريسية والمعلمين وبعض الاختصاصات التعليمية، وهنا تظهر المفارقة الأكثر حساسية، إذ قد يرتفع الراتب الاسمي على الورق، بينما يتراجع صافي الدخل الحقيقي لبعض الفئات بعد إلغاء تعويضات كانت تمثل العمود الأساسي للدخل الشهري، فالرقم المعلن لا يعكس دائماً ما يصل فعلياً إلى جيب الموظف نهاية الشهر.
كما أن بعض المواد أوحت بوجود توجه لإعادة ضبط أو توحيد جزء من التعويضات داخل القطاع العام، وربما يكون الهدف تقليص التشوهات في سلم الرواتب، لكن المشكلة تظهر عندما لا تؤخذ الفروقات الكبيرة في طبيعة العمل والخبرة والاختصاص والعبء المهني والعلمي بعين الاعتبار، فالعدالة الوظيفية لا تعني المساواة المطلقة بين الجميع، لكنها أيضاً لا تعني إيجاد فجوات هائلة تجعل بعض العاملين يشعرون بأنهم خارج أي أولوية اقتصادية أو معيشية.
الغموض يفتح الباب أمام الشائعات
ويرى حمدان أن بعض المواد الأخرى أثارت تساؤلات إضافية تتعلق بالاستثناءات الواردة لبعض الفئات، إضافة إلى طريقة احتساب بعض التعويضات والساعات الإضافية، وهو ما يفتح باباً واسعاً للتأويل والاجتهادات داخل المؤسسات، والمشكلة هنا ليست في مضمون القرار فقط، بل أيضاً في طريقة شرحه للرأي العام، فالقرارات المرتبطة بالرواتب والأجور تمس بشكل مباشر حياة ملايين الموظفين وأسرهم، وأي غموض أو نقص في التفسير يفتح الباب مباشرة أمام الشائعات والتفسيرات المتناقضة وحالة القلق داخل المؤسسات.
ويرى انه كان من الأفضل أن تصدر التعليمات مرفقة بأمثلة عملية وجداول تفسيرية واضحة تسمح لكل موظف بمعرفة أثر التعديل الحقيقي على راتبه النهائي من دون الحاجة للاجتهاد أو انتظار التفسيرات غير الرسمية، لأن الموظف لا يهتم كثيراً بالتعقيدات القانونية بقدر اهتمامه بسؤال بسيط وواضح: كم كان راتبي؟ وكم أصبح؟ وما الذي ألغي؟ وما الذي أضيف؟
وختم حمدان بالقول: بالنهاية فإن القضية اليوم لا تتعلق بالأرقام فقط، بل أيضاً بالإحساس بالعدالة، فالرواتب ليست مجرد جداول مالية، بل هي مؤشر على شعور العامل بقيمته واستقراره ومكانته داخل مؤسسات الدولة، ولهذا فإن الحفاظ على الكفاءات يبقى ضرورة وطنية، لكن الحفاظ على التوازن والعدالة داخل القطاع العام لا يقل أهمية، لأن أي إصلاح اقتصادي لا يرافقه وضوح وشفافية وعدالة في التفسير والتطبيق سيفتح الباب تلقائياً أمام الجدل وفقدان الثقة، حتى لو كانت النيات الأساسية للقرار إيجابية.








