لم تعد الضغوط التي تواجهها السعودية محصورة في الجبهة العسكرية أو التنافس السياسي، بل بدأت تقترب من شريان اقتصادها الأهم: طرق تصدير النفط، مع تزامن اضطراب مضيق هرمز، وتقدم الحوثيين على الساحل اليمني نحو باب المندب، واستهداف خط أنابيب “شرق-غرب” من الأراضي العراقية.
مسؤول إيراني اعترف لوسائل إعلام بأن تقدم الحوثيين نحو المخا وباب المندب أفاد طهران عبر الضغط الذي يرفع أسعار النفط ويضر بالرياض وواشنطن معاً، هذه الصيغة هي جوهر عقيدة “الإنكار المعقول” التي تدير بها طهران حروبها بالوكالة منذ عقدين.
ورأت مصادر مطلعة أن ما يجعل هذه الجولة مختلفة هو التزامن الهندسي بين الجبهات، فبينما يخنق إغلاق هرمز الممر الرئيسي لنفط الخليج العربي، تتقدم ميليشيا الحوثي لتُحكم قبضتها على باب المندب والبحر الأحمر، الممر البديل، وحين تلجأ الرياض إلى خط “شرق غرب” البري كمنفذ ثالث بعيداً عن المضيقين، تُستهدف محطاته بمسيّرات منطلقة من العراق.
واعتبرت المصادر أن النتيجة هي محاولة ممنهجة لإغلاق كل الأبواب الثلاثة معاً — البحر جنوباً، البحر شرقاً، واليابسة — في حصار جغرافي شامل لا يشبه ضربة عابرة بقدر ما يشبه خطة تطويق.
وتكمن خطورة التطورات في أن خط شرق-غرب، الممتد نحو 1200 كيلومتر إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، كان يمثل عملياً صمام أمان للسعودية في مواجهة إغلاق هرمز، وتقدر طاقته بنحو 4 إلى 5 ملايين برميل يومياً، ولذلك فإن استهدافه يعني ضرب البديل الذي لجأت إليه الرياض لتجاوز الاختناق البحري.
ورأت مصادر متابعة أن هنا تظهر الوظيفة الاستراتيجية للأدوات الإيرانية؛ فطهران لا تحتاج إلى السيطرة المباشرة على الممرات، بل يكفيها رفع كلفة استخدامها واستنزاف خصومها في حماية المنشآت النفطية والممرات والحدود.
وتكتسب السعودية أهمية مضاعفة لثقلها في سوق النفط، إذ تبلغ طاقتها الإنتاجية المستدامة نحو 12.11 مليون برميل يومياً، مع هامش طاقة فائض يقترب من 1.84 مليون برميل يومياً مطلع 2026، وأي تقليص لقدرتها على التصدير سيحرم السوق إحدى أهم أدوات تعويض النقص المفاجئ.
وبينت مصادر متابعة أن حساسية المشهد تتضاعف مع تراجع طاقات التكرير الروسية، التي تعرضت لضربات أوكرانية أخرجت 15 إلى 30% من طاقتها، في وقت تعتمد فيه أوروبا بصورة شبه كاملة على استيراد النفط، لذلك فإن اضطراب هرمز وباب المندب واستهداف خط شرق-غرب قد يحول الضغط الإقليمي إلى صدمة عالمية في أسعار الطاقة والتضخم، ولا سيما مع تحذيرات وكالة الطاقة الدولية من تداعيات استمرار اضطراب الملاحة في هرمز.
بالمقابل تملك الرياض، وفق مصادر مطلعة، خيارات تتجاوز الرد المباشر مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً، فالمعادلة الجديدة لا تختبر قدرة السعودية على حماية منشآتها فحسب، بل قدرتها على منع تحويل صادراتها النفطية إلى رهينة لخريطة الميليشيات والممرات.
واعتبرت مصادر متابعة أن إيران تجد نفسها أمام معادلة مفارقة: استخدام وكلائها لتخفيف عزلتها ورفع كلفة الضغط عليها، لكن إلى الحد الذي يدفع خصومها والدول المستفيدة من استقرار الطاقة إلى بناء تحالف أوسع لمواجهتها، وسط ارتفاع الكلفة على الاقتصاد العالمي وازدياد الضغوط على القوى الكبرى للتدخل من أجل إعادة فتح الممرات.
لذلك يبدو أن الغاية هي الضغط على السعودية نحو الضغط لوقف الحرب على إيران، بعبارة أخرى: طهران تراهن على أن اقتصاد الطاقة العالمي أضعف من أن يتحمل حصاراً ثلاثي الجبهات، وأن كلفة استمراره ستُترجم ضغطاً دبلوماسياً يخفف عنها وطأة المواجهة المباشرة، وهو رهان خطير، لأنه يضع استقرار الاقتصاد العالمي بأكمله رهينة لحسابات ردع إقليمية ضيقة.
أسرة التحرير









