منذُ احتلال الجولان السوري في العام 1967م لم تكتفِ إسرائيل ببناء المستعمرات وسرقة المياه وكذلك الآثار، بل تجاوزت ذلك باستثمار ثروات الجولان الطبيعية وتراثه الثقافي المادي وغير المادي بامتياز، كما سعت إلى فرض منظومة مراقبة شديدة على الشريط الفاصل بغية المحافظة على أمنها كما تدعي.
وها هي اليوم تسعى مجدداً إلى خلق حالة من عدم الاستقرار في الجنوب السوري من خلال الاعتداءات المتكررة على المدنيين الذين يمارسون حياتهم اليومية من زراعة ورعي وغير ذلك من أنشطة، ولا تكتفي بهذا بل تستخدم فلول المستوطنين بغية تجاوز الحدود والعمل على زرع الخوف في نفوس الناس من أجل فرض واقع جديد على الأرض لإجبار المواطنين على ترك أراضيهم خوفاً من الاعتقال أو الموت، كما فعلت في الديار الفلسطينية في فترات سابقة.
ومجدداً حاول نحو مئة من ناشطي حركة رواد الباشان الاستيطانية، عبور خط فضّ الاشتباك لعام 1974 بهدف إقامة بؤرة استيطانية.

ومؤخراً نشرت الصحف العبرية ” يديعوت أحرنوت ” عن مشروع أمني _ مدني أطلق عليه اسم “سرية الأبقار”، يهدف إلى تعزيز الوجود الإسرائيلي الدائم في منطقة تقع خلف السياج الفاصل في الجولان السوري المحتل.
ويتضمن المشروع إدخال قطيع يضم نحو 140 رأساً من الأبقار إلى منطقة تمتد على مساحة تقارب 10 آلاف دونم في المنحدرات الغربية لوادي الرقاد بريف درعا الغربي.
ووفقاً للتقرير، فإن الهدف الأساسي للمشروع يتمثل في فرض حضور مدني وزراعي مستمر في الأراضي الواقعة خلف السياج الحدودي ومنع الرعاة السوريين وقطعانهم من الوصول إليها، بعدما اعتادوا استخدام تلك المناطق للرعي على مدى سنوات.
ويرى مراقبون أن المشروع يعكس توجهاً إسرائيلياً متزايداً نحو توسيع الحضور الفعلي في المناطق الحساسة عبر أدوات مدنية وزراعية تحمل أبعاداً أمنية واستراتيجية، في خطوة قد تثير مزيداً من الجدل بشأن واقع السيطرة على الأراضي المحاذية لخط وقف إطلاق النار في الجولان المحتل.
وأكد الباحث في شؤون الجولان محمد فياض الفياض في تصريح ل ” الوطن ” أن الاحتلال الإسرائيلي يمتلك اليوم أجندة جديدة يريد فرضها على الأرض بعد تبدل الظروف الدولية في المنطقة، وهدفها الأول هو السيطرة على أراضٍ جديدة في كل من سوريا ولبنان وربما دول أخرى، وهي تعمل حالياً على فتح باب الهجرة لليهود من جديد بغية استقطاب نحو ستة عشرة مليون مهاجر وربما أكثر من دول العالم بغية الاستيطان في رحابِ الأرض العربية، وهي تسعى أيضاً لإعلان يهودية الدولة، وهذا الأمر إن كان صحيحاً فنحن اليوم مقبلون على نكسة جديدة عنوانها تهجير ما تبقى من عرب فلسطين إلى فضاءات عربية مختلفة، أم نحن على أعتاب حرب جديدة تستهدف الهوية العربية، وهي حرب وجود قبل أن تكون حرب تراث وهوية.
وأضاف: ربما هذه التصرفات العبثية الرعناء التي ترتكبها إسرائيل على الحدود مع سوريا ومنها إدخال قطعان الأبقار التي تدخل الأراضي السورية بحجة الرعي ما بعد الحدود الدولية، ما هي إلا مخططات خبيثة تسعى إسرائيل من خلالها لفرض واقع جديد في المنطقة، ولهذا هي دائماً تنتهز فرصة الضعف لدى الخصم لتحقيق أهدافها الرامية إلى تأمين أكبر قدر من المياه ولو كان ذلك على حساب الغير، بالإضافة إلى تأجيج الصراع الطائفي المذهبي لدى الخصم على مبدأ ” فرق تسد “، ومن خلال تقريب بعض ضعفاء النفوس والعمل معهم لتمزيق الجسد الواحد وخلق كيانات جديدة طائفية تؤدي وظيفة الحارس الأمين لهذا الكيان الغاصب.
واختتم الفياض بالقول : ” إن إسرائيل تعمل اليوم مع قيادة لواء جولاني وبالتعاون مع منظمات استيطانية من الانتقال من مبدأ حماية الحدود إلى مبدأ تجاوز الحدود بغية إحداث استيطان جديد أمني على طول الحدود السورية المتاخمة “لإسرائيل” يتسع ويتوسع وفق الظروف والمعطيات القادمة”، وبالتأكيد القضية ليست مجرد أبقارٍ ترعى ولا رعاة يتجاوزون الحدود، ولا عربات تعربد لمراقبة السكان والأهالي، بل القضية الأم هي ” الجولان ” بيضة القبان ، هكذا كتب عليها أن تبقى حبيسة بيد المحتل في حالتي القوة والضعف.
لكن على الطرف الآخر أن يفهم بأنَّ الشعوب كما اقتلعت حكامها الظلمة قادرة أن تفعل المعجزات، وإن غداً لناظره قريب.








