جددت المنظمة السورية لحقوق الإنسان دعوتها إلى اعتماد مقاربة شاملة لمعالجة إرث التعذيب في سوريا تقوم على كشف الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، وضمانات عدم التكرار وتفعيل أدوات العدالة الانتقالية بصورة منهجية تضمن عدم بقاء الانتهاكات من دون معالجة فعّالة، وتضع حداً لحالة الإفلات من العقاب التي رافقت سنوات حكم النظام المخلوع.
وفي بيان لها بمناسبة اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب أكدت المنظمة أن هذه الدعوة تستند إلى عمل توثيقي وتحليليّ متواصل منذ آذار 2011، وتشير قاعدة بيانات الشبكة وتحليل أنماط الاحتجاز فيها إلى أنَّ التعذيب والإخفاء القسري والوفاة في الاحتجاز شكّلت نمطاً ممنهجاً واسع النطاق ارتبط ببنية منظومة الاحتجاز، ولم تكن انتهاكات فردية معزولة.
وبينت المنظمة أنه كشفت سنوات من التوثيق أنَّ التعذيب في سوريا ارتبط بنمط مؤسسي امتدت آثاره عبر فروع الأجهزة الأمنية والمراكز التابعة لها، وامتد إلى مواقع احتجاز رسمية وغير رسمية، وشملت الأنماط الموثقة الضرب المبرح، والصعق الكهربائي، والتعليق بأوضاع مؤلمة، والحرمان من النوم والطعام والرعاية الطبية، والعزل المطول، والعنف الجنسي، والإهانة، فضلاً عن ظروف احتجاز قاسية تؤدي بذاتها إلى الوفاة، كما امتد هذا النمط بدرجات متفاوتة إلى مراكز احتجاز تابعة لأطراف أخرى من أطراف النزاع، وفق ما هو موثق في قاعدة بيانات الشبكة.

وأشارت إلى أنه ارتبط التعذيب في معظم الحالات الموثقة بظاهرة الإخفاء القسري، إذ يُحرم المحتجز من التواصل مع ذويه ومن الوصول إلى محام ومن أي شكل من أشكال الرقابة القضائية لفترات مديدة، ما يفتح المجال لاستمرار الانتهاك وتعطيل سبل الانتصاف، وتشكل هذه السلسلة المتصلة “الاعتقال التعسفي، الإخفاء القسري، التعذيب، الوفاة في الاحتجاز” نمطاً متكاملاً يستوجب معالجة قانونية متكاملة لا تجزيئية.
ووفقاً لقاعدة بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، لا يزال ما لا يقل عن 181,677 شخصاً، بينهم 5,352 طفلاً و9,213 سيدة، بين محتجزين قيد الاحتجاز فعلياً ومختفين قسراً.
ووثقت الشبكة مقتل ما لا يقل عن 45,364 شخصاً بسبب التعذيب أو ظروف الاحتجاز القاسية أو اللإنسانية خلال الفترة نفسها، بينهم 231 طفلاً و116 سيدة.
كما تشير البيانات إلى أنَّ 45,038 ضحية قضوا داخل مراكز الاحتجاز التابعة للنظام المخلوع، بنسبة تصل إلى قرابة 99 بالمئة، بينما توزعت 326 حالة على بقية أطراف النزاع وفق التصنيف المعتمد في قاعدة بيانات الشبكة.
وبينت الشبكة أن سقوط النظام أتاح الوصول إلى وثائق رسمية ومراكز احتجاز كانت بعيدة عن المنال، ما أسهم في تحديث جزء أساسي من البيانات وإعادة تصنيف حالات كانت مسجلة كاختفاء قسري إلى وفيات داخل الاحتجاز.
وأوصت المنظمة الحكومة السورية بضرورة تمكين الهيئات الوطنية من الوصول إلى الوثائق الرسمية، وسجلات مراكز الاحتجاز، وأماكن الاحتجاز الحالية والسابقة الرسمية وغير الرسمية، وضمان الحفاظ على هذه المواقع وسلسلة حيازة الأدلة فيها، ومراجعة وإلغاء التشريعات التي سهّلت الاحتجاز التعسّفي والمحاكمات غير العادلة أو وفّرت بيئة للإفلات من الرقابة القضائية الفعّالة، وفي مقدّمتها قانون مكافحة الإرهاب والمرسوم المُحدَث لمحكمة قضايا الإرهاب، ومواءمة قانون العقوبات مع تعريف التعذيب الوارد في المادة 1 من اتفاقية مناهضة التعذيب.
كما أوصت بضرورة ضمان عدم شمول الجرائم الدولية الجسيمة (التعذيب، الإخفاء القسري، الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب) بأي تدابير عفو عام أو ترتيبات تسوية، وفق ما استقر عليه القانون الدولي والمبادئ الأممية المتعلّقة بمكافحة الإفلات من العقاب.
ضرورة النظر في الانضمام إلى الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، والبروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية مناهضة التعذيب، والعمل على إنشاء آلية وقائية وطنية مستقلة عند الانضمام إلى البروتوكول الاختياري، وضمان أن تكون الاستراتيجية الوطنية لمناهضة التعذيب إطاراً ملزماً قابلاً للتنفيذ، مع آليات تنفيذ ورقابة مستقلة، ومؤشرات قياس واضحة، وآلية شكاوى فعّالة، وإدماج مؤسسي لمنظّمات المجتمع المدني وروابط الضحايا في مراحل إعدادها وتنفيذها وتقييمها.
ومن التوصيات أيضاً إخضاع جميع أماكن الاحتجاز لرقابة قضائية ومستقلة فعّالة، وضمان احترام الضمانات الأساسية ضد التعذيب منذ لحظة سلب الحرية، بما يشمل حق المحتجز في إبلاغ ذويه، والوصول إلى محامٍ، والفحص الطبي المستقل، والمثول الفوري أمام قاضٍ.
ودعت المنظمة الأمم المتحدة إلى ضرورة الاستمرار في دعم لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا، والآلية الدولية المحايدة والمستقلة، والمؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية، وتوفير الموارد البشرية والمالية الكافية لها لضمان استمرار عملها، وتقديم الدعم الفني للأطر المؤسسية السورية الجديدة، بما يضمن انسجامها مع المبادئ الأممية ذات الصلة بلجان الحقيقة والهيئات الوطنية المعنية بالمفقودين، مع احترام الملكية الوطنية للعملية.
كما دعت المنظمة إلى تشجيع الدولة السورية على قبول زيارات الإجراءات الخاصة لمجلس حقوق الإنسان، ولا سيما المقرّر الخاص المعني بالتعذيب، والفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي، والفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي.
الوطن








