تتقدم الوقاية اليوم إلى واجهة الاستراتيجية السورية في مكافحة المخدرات، باعتبارها المدخل الأكثر فاعلية لحماية المجتمع من هذه الآفة قبل استفحالها.
ومن هذا المنطلق، تتجه الدولة إلى ترسيخ نهج استباقي يقوم على الاستثمار في الوعي والكشف المبكر وتعزيز الصحة النفسية، بالتوازي مع استمرار الملاحقة القانونية لشبكات الاتجار والتهريب، في تحول يعكس انتقال سياسة المواجهة من التعامل مع النتائج إلى منع تشكل أسبابها منذ البداية.
ويجسد هذا التوجه الحملة الوطنية التي أطلقتها وزارتا الداخلية والصحة تحت شعار “سوريا دون مخدرات” ، بالتزامن مع اليوم العالمي لمكافحة المخدرات، في خطوة، وصفها متخصصون، بأنها تحمل أبعاداً تتجاوز البعد التوعوي، لتؤكد أن بناء مجتمع محصن يبدأ بترسيخ ثقافة الوقاية قبل الوصول إلى مراحل التعاطي والإدمان، وأن حماية الإنسان تمثل الركيزة الأساسية لأي سياسة مستدامة في مواجهة هذه الظاهرة.

ويأتي إطلاق الحملة متزامناً مع سلسلة من ورشات العمل والندوات والفعاليات التوعوية التي تشهدها مختلف المحافظات، لتسليط الضوء على المخاطر الصحية والاجتماعية والأمنية للمخدرات، وترسيخ ثقافة الرفض المجتمعي لهذه الآفة، بما يعزز الوعي لدى فئة الشباب والأسر والمؤسسات التعليمية، ويحوّل التوعية من نشاط موسمي إلى ممارسة مستمرة تستهدف تحصين المجتمع.
ويستند هذا النهج إلى قراءة للتحديات التي واجهتها سوريا خلال السنوات الماضية، حيث استغلت شبكات الجريمة المنظمة المرتبطة بالنظام البائد، ظروف الحرب والفوضى لمحاولة تحويل المخدرات إلى وسيلة لاستهداف المجتمع السوري، عبر التهريب والترويج والاستغلال الاقتصادي، وهو ما فرض تطوير أدوات المواجهة بما يتناسب مع طبيعة هذا التهديد المركب.
من هنا، لم تعد الوقاية، وفق المصادر، مجرد عنوان موازٍ للإجراءات الأمنية، بل أصبحت نقطة الانطلاق في الاستجابة الوطنية، فالاستثمار في التوعية والكشف المبكر، وتعزيز خدمات الصحة النفسية، وتوسيع برامج العلاج وإعادة التأهيل، يمثل مساراً يهدف إلى تجفيف البيئات التي يمكن أن تستغلها شبكات الترويج لاستقطاب ضحايا جدد، ولا سيما بين فئة الشباب.
في هذا السياق، تبرز أهمية التعامل مع التعاطي من منظور صحي وإنساني، يفتح الباب أمام العلاج وإعادة التأهيل والاندماج، بالتوازي مع استمرار الملاحقة الحازمة لشبكات الاتجار والتهريب، إذ إن المعادلة التي تكرسها الحملة تقوم على أن الردع يواجه الجريمة، بينما تمنع الوقاية اتساعها، وهو ما يجعل المسارين متكاملين في حماية المجتمع.
وتلفت المصادر إلى أن من بين المؤشرات التي تجسدها الحملة أن سوريا تتجه إلى بناء سياسة مستدامة في مكافحة المخدرات، لا ترتبط بردود الأفعال أو بالمناسبات، بل تقوم على التخطيط طويل الأمد، وتعزيز المناعة المجتمعية، وإدماج مفاهيم الوقاية في البرامج الصحية والتثقيفية، بما يحد من خطر انتشار هذه الآفة ويعزز قدرة المجتمع على مواجهتها.
وبالتزامن مع اليوم العالمي لمكافحة المخدرات، تبدو الرسالة السورية واضحة، فالمعركة الحقيقية لا تبدأ عند ضبط شحنة أو تفكيك شبكة، بل تبدأ قبل ذلك، فعندما يتحول الوعي إلى ثقافة راسخة، والوقاية إلى سلوك يومي، تضيق المساحات التي يمكن أن تتسلل منها المخدرات إلى المجتمع، ومن هذا المنظور، تمثل حملة “سوريا دون مخدرات” ترجمة عملية لنهج استباقي يضع حماية الإنسان في مقدمة الأولويات، ويؤسس لمواجهة طويلة الأمد قوامها الوعي بقدر ما تقوم على إنفاذ القانون.
الوطن – أسرة التحرير








