تعمل السلطات السورية الجديدة منذ سقوط نظام حكم بشار الأسد البائد في الثامن كانون الأول العام 2024 على تفكيك “جمهورية الكبتاغون” التي أنشأها في البلاد، وقد حققت نجاحاً كبيراً في ذلك. لكن لم يكن بوسع السلطات الحكومية فعل الكثير بشأن محافظة السويداء، حيث حوّلت سلطات الأمر الواقع المتمثلة بحكمت الهجري والميليشيات التابعة له المحافظة منذ تموز العام 2025 إلى مركز لإنتاج وتهريب وترويج المخدرات.
سوريا من دون مخدرات
وأطلقت وزارة الداخلية بالاشتراك مع وزارة الصحة، اليوم الجمعة، حملة وطنية شاملة لمكافحة المخدرات تحت شعار «سوريا من دون مخدرات»، بالتزامن مع اليوم العالمي لمكافحة المخدرات الذي يصادف في 26 حزيران من كل عام، وذلك في إطار رؤية وطنية تهدف إلى حماية المجتمع وتعزيز الأمن المجتمعي والحفاظ على الصحة العامة وترسيخ سيادة القانون، عبر مقاربة متكاملة تجمع بين الوقاية والتوعية والعلاج وإنفاذ القانون والشراكة المجتمعية.

تأتي الحملة استجابةً للتحديات التي فرضتها السنوات السابقة وما أفرزته من محاولات لاستهداف المجتمع السوري بظاهرة المخدرات من خلال الترويج والإتجار والتهريب والاستغلال الاجتماعي، وما ترتب على ذلك من آثار أمنية وصحية واقتصادية تمس الأسرة والشباب ومستقبل التنمية.
التزام حكومي بحماية المجتمع
وتعكس الحملة، التزام الدولة السورية بحماية المجتمع من المخاطر التي تستهدف أمنه واستقراره وقدرته على التنمية، عبر مقاربة شاملة تعتبر الإنسان محور الحماية وأساس الاستقرار.
وتؤكد أن مواجهة المخدرات تبدأ قبل وقوع الضرر، من خلال الاستثمار في الوعي المجتمعي والتثقيف والوقاية والكشف المبكر، بالتوازي مع الإجراءات القانونية والأمنية الرادعة بحق شبكات الإتجار والترويج.
وتبرز الحملة انتقال الجهد الوطني من الاستجابة الظرفية إلى بناء منظومة مستدامة تقوم على التكامل بين الأمن والصحة والتعليم والإعلام والعمل المجتمعي، ما يضمن خفض الطلب على المخدرات والحد من أسباب انتشارها.
كما تؤكد أن العلاج وإعادة التأهيل يمثلان جزءاً أصيلاً من الاستجابة الوطنية، وأن التعاطي يُعالج بمنظور إنساني وصحي واجتماعي يحافظ على الفرد ويعيد دمجه في المجتمع.
وتعزز الحملة مفهوم الشراكة المجتمعية، حيث يصبح المواطن والأسرة والمدرسة والمؤسسات الشبابية والثقافية والإعلامية شركاء فاعلين في الوقاية والإبلاغ وبناء الوعي.
النظام البائد وجمهورية الكبتاغون
وحوّل رئيس النظام البائد وحليفته إيران وميليشياتها سوريا خلال الثورة ضده التي امتدت من 2011 إلى أواخر 2024، إلى أكبر منتج لمادة “الكبتاغون” لتمويل آلة حربهم على الشعب السوري. وقد وصفت وسائل إعلام كبرى سوريا في تلك السنوات بـ”جمهورية الكبتاغون”.
ودعمت عائدات بيع “الكبتاغون” طوال سنوات الثورة حكومة النظام البائد الذي حوّل سوريا إلى أكبر دولة في العالم تعتمد على عائدات المخدرات، وأصبح أكبر صادراتها متجاوزاً جميع صادراتها القانونية مجتمعة، وفقاً لتقديرات مستمدة من بيانات رسمية، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».
ووفقاً للبنك الدولي، كان “الكبتاغون” القطاع الأكثر قيمة في الاقتصاد السوري المدمَّر بسبب الحرب؛ حيث تبلغ قيمته بين 1.9 مليار دولار أميركي و5.6 مليارات دولار أميركي، مع تقدير الناتج المحلي الإجمالي السوري بما لا يزيد عن ذلك بكثير 6.2 مليارات دولار أميركي في عام 2023، وفقاً لشبكة «سكاي نيوز» البريطانية.
وقدر محللون أن نظام الأسد المخلوع حقق ربحاً صافياً قدره 5 مليارات دولار سنوياً من تجارة تهريب المخدرات.
نجاحات سوريا الجديدة
ومنذ تسل؟مها مقاليد السلطة في البلاد، بعد سقوط النظام البائد أواخر العام 2024، تعمل السلطات السورية الجديدة على تفكيك “جمهورية الكبتاغون” التي أنشأها في البلاد، وحققت نجاحاً كبيراً في ذلك، رغم حجم الظاهرة الكبير وتعقيدها.
وتفيد أرقام وزارة الداخلية، بتمكن إدارة مكافحة المخدرات خلال الفترة الماضية من تنفيذ 1550 عملية ضبط وإحباط، أسفرت عن تفكيك 90 شبكة تهريب دولية منظمة، وإغلاق 17 معملاً لتصنيع “الكبتاغون”، ومصادرة 20 مستودعاً للتخزين.
وبحسب الأرقام التي كشفتها الوزارة فقد ضبطت 697 مليون حبة كبتاغون، و15 طناً من الحشيش، و10 ملايين حبة من الأدوية المخدّرة،و 180 كيلوغراماً من الكوكايين،و 84.5 كيلوغراماً من مادة الكريستال، و7 كيلوغرامات من الهيرويين، إضافة إلى 221 طناً من المواد الأولية الكيميائية.
وتعكس هذه الأرقام قدرة الدولة على محاصرة هذه الآفة عبر تعاون المجتمع والأجهزة المعنية.
انخراط إقليمي ودولي
ولم تقتصر جهود السلطات السورية الجديدة لمكافحة المخدرات على الطابع المحلي، فقد دخلت البلاد مرحلة جديدة من الانخراط الإقليمي والدولي في ملف مكافحة المخدرات، في إطار “تفكيك اقتصاد المخدرات بعد التحرير”.
وفي هذا السياق شاركت وزارة الداخلية وإدارة مكافحة المخدرات وبالتعاون مع الدول المجاورة بالعديد من العمليات، التي أسفرت عن ضبط كميات كبيرة من المخدرات وتفكيك شبكات التهريب والترويج.
وإلى جانب ذلك شاركت سوريا في عدد من الفعاليات الدولية، من بينها المشاركة في آذار الماضي في الدورة التاسعة والستين للجنة المخدرات التابعة للأمم المتحدة، قدّم خلالها الوفد السوري عرضاً حول الجهود الوطنية لتفكيك اقتصاد “الكبتاغون”، مؤكداً أن سوريا لن تكون ممراً أو مصدراً لاقتصاد المخدرات.
وفي كانون الأول الماضي، أشاد مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، بجهود سوريا في الحد من تصنيع المخدرات وتعطيلها، وقال إن التصنيع واسع النطاق لمادة “الكبتاغون” غير المشروعة في سوريا قد تعطّل بعد عام على التحرير.
كما شاركت سوريا في المؤتمر الثالث لمكافحة المخدرات في العاصمة العراقية بغداد، وفي تونس حضرت مؤتمرات عربية عدة ناقشت إعادة صياغة الاستراتيجية العربية لمكافحة الاستعمال غير المشروع للمخدرات، وإنشاء مرصد عربي موحّد، وتطوير آليات تبادل المعلومات بين الدول.
السويداء مركز للإنتاج والتهريب
لقد حققت السلطات السورية نجاحاً كبيراً في مكافحة المخدرات في المناطق الواقعة تحت سيطرتها، ولكن ماذا عن محافظة السويداء الواقعة أجزاء كبيرة منها تحت سيطرة حكمت الهجري والمليشيات التابعة له منذ منتصف تموز الماضي بدعم من كيان الاحتلال الإسرائيلي؟.
خلال سنوات الثورة السورية استخدم النظام البائد السويداء ممرًاً لتهريب المخدرات إلى الأردن، في طريقها إلى زبائن أكثر ثراء في الخليج. وقد عملت إدارة المخابرات العسكرية التابعة له حينها، وعناصر من «الفرقة الرابعة» المدعومة من إيران على تجنيد شركاء في السويداء لتنسيق عملية التهريب، مع إنشاء ما لا يقل عن 12 منشأة كبيرة لإنتاج “الكبتاغون” في المحافظة، وذلك وفق تأكيد دراسات بحثية وتقارير.
ومنذ أحداث تموز الماضي وما تلاها من تطورات، ارتفعت عمليات تهريب المخدرات من مناطق سيطرة الهجري وميليشياته باتجاه الأردن بأكثر من 325%، وفق بيانات جمعتها «سوريا ويكلي». وبالأرقام، اعترض الأردن اكثر من 21 محاولة تهريب مخدرات من المنطقة بين كانون الثاني وتموز2025، مقابل 128 عملية اعتراض إضافية بين تموز2025 ونيسان 2026.
وتوضح دراسات وتقارير أنه بعد سقوط الأسد وأحداث تموز 2025، فرّ عدد ممن كانوا فاعلين في نظام الأسد إلى السويداء للعيش في ظل حماية الهجري وقد واصلوا أنشطتهم الإجرامية والتهريبية.
وتؤكد الدراسات، أن أكثر من نصف قيادة المليشيات الهجرية هم ضباط من فلول النظام البائد ويلعبون الدور البارز في تهريب المخدرات والأسلحة عبر الحدود إلى الأردن.
وبحسب وزارة الداخلية، جرى القضاء عملياً على الإنتاج المحلي لـ”الكبتاغون” بحلول خريف 2025، لكن بحسب مراقبين لا يمكن للسلطات السورية في ظل الوضع القائم في السويداء فعل الكثير بشأن تهريب إنتاج وتهريب المخدرات وترويجها.
وتؤكد تقارير، أن الهجري وميليشياته أقاموا منشآت جديدة لإنتاج “الكبتاغون” منذ تموز 2025، بينها منشأة في وسط مدينة السويداء نفسها.
يذكر أنه في الساعات الأولى من الثالث أيار الماضي عبرت مقاتلات أردنية من طراز F-16 المجال الجوي السوري، وشنّت ضربات على ما لا يقل عن ستة مواقع في مناطق سيطرة الهجري وميليشياته في السويداء.
وفي بيان له قال الجيش الأردني إن «عملية الردع الأردني» استهدفت «مصانع ومنشآت ومستودعات تستخدمها مجموعات التهريب كنقاط انطلاق لعمليات التهريب إلى الأردن».
وكانت هذه المرة الخامسة التي يشنّ فيها الأردن ضربات عسكرية في مناطق سيطرة الهجري وميليشياته منذ سقوط نظام الأسد، والجولة الثالثة منذ أن أصبحت المنطقة تحت سيطرة الهجري وميليشياته المدعومة من كيان الاحتلال الإسرائيلي.
الوطن – أسرة التحرير








