تفتح الدنمارك، عبر إعادة افتتاح سفارتها في دمشق، صفحة جديدة في مسار العلاقات السورية الأوروبية، فعودة العلم الدنماركي إلى مبنى السفارة تأتي في وقت تستعيد فيه دمشق حركة سياسية ودبلوماسية فقدتها طوال سنوات الحرب والعزلة، كما أن حضور وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن إلى جانب وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني يعكس انتقال العلاقة مع دمشق إلى مستوى أكثر انفتاحاً ووضوحاً.
وتقرأ دمشق هذه الخطوة ضمن مسار أوسع لاستعادة سوريا موقعها في النظام الدولي، وكان ذلك واضحا في تصريح وزير الخارجية الشيباني عقب افتتاح السفارة، إذ قال: “هذا فصل جديد يكتب في العلاقات السورية الدنماركية”، كما أن الخطوة “تشجع بقية الدول الأوروبية على الاستثمار في سوريا وانتهاج النهج نفسه”، وهي رسالة تحمل في مضمونها، وفق محللين، دعوة سياسية واقتصادية إلى العواصم الأوروبية للتعامل مع سوريا الجديدة باعتبارها مساحة للشراكة والمصالح المتبادلة.
بهذا الصدد، يمنح خطاب الشيباني عودة السفارات دلالة تتصل بمستقبل الدور السوري نفسه، فقد وصف افتتاح السفارة بأنه “خطوة مهمة في مسار إعادة تموضع سوريا على الساحة الدولية”، مؤكداً أن عودة البعثات الدبلوماسية إلى دمشق تحمل “رسالة واضحة بأن سوريا تتجه نحو مرحلة جديدة من العلاقات الدولية، تقوم على الحوار والتعاون والمصالح المشتركة”.
ولا بد هنا من الإشارة إلى أن الخطوة الدنماركية تأتي ضمن سلسلة من التحركات الأوروبية التي أخذت تتسع منذ إسقاط نظام الأسد أواخر عام 2024، فقد أعادت إسبانيا رفع علمها فوق سفارتها في دمشق في كانون الثاني 2025، وأعادت ألمانيا فتح سفارتها في آذار من العام نفسه، بالتزامن مع استئناف إيطاليا نشاط بعثتها، وفي تموز 2025 أعلنت بريطانيا استعادة علاقاتها الدبلوماسية الكاملة مع دمشق، بينما اتجهت فرنسا إلى إعادة بناء حضورها الدبلوماسي وصولاً إلى التفاهم بشأن تبادل السفراء.
في السياق ذاته، وعلى المستوى الإقليمي، سارعت تركيا وقطر إلى إعادة فتح سفارتيهما في دمشق، في مؤشر على اتساع دائرة التعامل المباشر مع القيادة السورية الجديدة، ويكشف هذا المسار أن دمشق تستعيد تدريجياً موقعها عاصمة حاضرة في الحسابات السياسية للدول المحيطة بها وللعواصم الأوروبية.
وتتحرك أوروبا في هذا الاتجاه مدفوعة بمزيج من الاعتبارات السياسية والأمنية والاقتصادية، فملف اللاجئين والهجرة وأمن الحدود ومكافحة التهريب وإعادة الإعمار والطاقة والبنية التحتية وفتح الأسواق، كلها مصالح تدفع العواصم الغربية إلى بناء قنوات مباشرة مع دمشق.
كل ذلك يرتبط بالموقع الجيو سياسي، فسوريا تقع عند نقطة اتصال بين المتوسط والعالم العربي، وتشكل ممراً طبيعياً نحو المشرق والخليج والعراق، وهو ما يجعل استقرارها وإعادة بناء مؤسساتها ذا تأثير يتجاوز حدودها، ومن هذه الوجهة، يمكن أن تتحول سوريا إلى بوابة اقتصادية وسياسية تربط أوروبا بالشرق، خصوصاً مع تنامي الحديث عن مشاريع إعادة الإعمار والطاقة والنقل.
وتمنح هذه التحولات دمشق فرصة لإعادة صياغة دورها الإقليمي على أساس مختلف، فكل سفارة تعود إلى العاصمة السورية تضيف قناة اتصال جديدة، وكل شراكة اقتصادية محتملة تفتح مجالاً لتثبيت الحضور السوري في محيطه، فيما يمنح الانفتاح الأوروبي القيادة الجديدة مساحة أوسع للمناورة وبناء علاقات متوازنة مع القوى الدولية والإقليمية.
وتحمل عودة الدبلوماسية الأوروبية إلى دمشق في جوهرها تقاطعاً واضحاً بين المصالح السورية والغربية فسوريا تبحث عن الاستثمار وإعادة الإعمار واستعادة موقعها الدولي، وأوروبا تبحث عن الاستقرار والأسواق والشراكات والنفوذ في منطقة غاية في الأهمية، وبين الطرفين، تبدو دمشق مرشحة لاستعادة دورها كلاعب إقليمي وممر للمصالح الأوروبية باتجاه الشرق.
أسرة التحرير









