شكلت الغارات الأردنية التي استهدفت مناطق في محافظة درعا، وأسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين، تطوراً مؤلماً يمس سيادة سوريا وكرامة مواطنيها، ووضعت العلاقات السورية الأردنية أمام اختبار دقيق، في وقت تتزايد فيه التحديات الإقليمية والمخاطر التي تستهدف استقرار البلدين.
وأوضح الصحفي محمد العويد من محافظة درعا في تصريح لـ«الوطن» أن ما حدث لا ينبغي أن يتحول إلى مواجهة بين الشعبين السوري والأردني، اللذين تجمعهما روابط تاريخية واجتماعية وإنسانية راسخة، مشيراً إلى أن الأردن احتضن مئات الآلاف من السوريين خلال سنوات الحرب، وتقاسم معهم ظروف الحياة الصعبة، كما أن الشعبين عاشا سنوات من المعاناة والوجع جراء ما تعرضت له سوريا من قمع ودمار على يد نظام الأسد البائد.
وقال، إن هذه الروابط الأخوية لا تعني التغاضي عن الخطأ أو التخفيف من خطورته، فالتضامن مع الأردن في مواجهة الإرهاب لا يتعارض مع رفض الاعتداء على المدنيين السوريين، كما أن إدانة الغارات لا تعني التراجع عن الموقف الثابت في رفض الإرهاب واستهداف الأبرياء.
وأشار العويد إلى أن الغارات الأردنية تطرح تساؤلات جوهرية حول مدى التناسب بين التهديدات الأمنية المعلنة وطبيعة الرد العسكري، ومدى استنفاد قنوات التنسيق مع دمشق قبل اللجوء إلى القصف داخل الأراضي السورية.
وأضاف أن هذه التساؤلات تزداد إلحاحاً في ضوء التصريحات الأردنية المتعلقة بالهجوم الذي استهدف كنيسة في الكرك، والتي تحدثت عن إلقاء القبض على المتورطين وعدم وجود ارتباطات خارجية لهم، الأمر الذي يستدعي توضيحاً رسمياً بشأن الأسس التي استندت إليها الغارات على درعا ومدى ارتباطها بالحادثة.
ولفت إلى أن تمكن الأجهزة الأمنية الأردنية من توقيف المشتبه فيهم يثير تساؤلات مشروعة حول جدوى اللجوء إلى القوة العسكرية داخل سوريا، والبدائل الأمنية التي كان يمكن اعتمادها بالتنسيق مع السلطات السورية، بما يحفظ أمن البلدين ويجنب المدنيين مخاطر التصعيد.
وأكد العويد أن أمن الأردن مصلحة سورية، وأمن سوريا مصلحة أردنية، لكن هذه المعادلة لا تستقيم عبر إجراءات أحادية تمس السيادة السورية، بل من خلال تعاون أمني مسؤول يحترم سيادة البلدين ويضمن معالجة التهديدات بعيداً عن استهداف الأبرياء.
وحذر من أن ما حدث في درعا لا يمكن فصله عن المشهد الإقليمي الأوسع، في ظل التصعيد الإسرائيلي المتواصل في الجنوب السوري، والمساعي الرامية إلى فرض وقائع ميدانية جديدة وتكريس ذرائع أمنية تتيح توسيع التدخل داخل الأراضي السورية.
وأوضح أن تصوير الجنوب السوري باعتباره بؤرة للإرهاب العابر للحدود، من دون التمييز بين المدنيين والمشتبه فيهم، يتيح لإسرائيل استغلال الحوادث الأمنية لتبرير مزيد من الاعتداءات، مشيراً إلى أن تزامن الغارات مع عشية الانتخابات الإسرائيلية يضيف بعداً سياسياً إلى المشهد، في ظل تنافس القوى الإسرائيلية على تقديم نفسها بوصفها الأقدر على حماية الأمن.
وشدد العويد على أن تحميل الأردن مسؤولية ما حدث لا يتناقض مع التمسك بالعلاقة الأخوية بين الشعبين، بل يشكل مدخلاً ضرورياً لحمايتها، لافتاً إلى أن العلاقات المتينة لا تُبنى على الصمت إزاء الأخطاء، وإنما على المصارحة والاعتراف بالمسؤولية ومعالجة أسباب الخلل.
ودعا إلى تقديم توضيحات رسمية بشأن الغارات وضمان عدم تكرار الاعتداءات على المدنيين والأراضي السورية، مؤكداً أن الحكومتين السورية والأردنية تتحملان مسؤولية احتواء التداعيات وفتح قنوات التواصل السياسي والأمني، بما يحفظ سيادة سوريا وأمن الأردن، ويمنع تحول الحادثة إلى أزمة أوسع.
وختم العويد بالقول، إن درعا تبقى صمام أمان للأردن كما هي لسوريا، وإن الحفاظ على وحدة الموقف بين البلدين ضرورة تفرضها مصالح الشعبين ومخاطر المرحلة، مؤكداً أن المطلوب موقف أردني واضح وإجراءات عملية تصون الدماء والسيادة، وتعيد الثقة إلى مسار العلاقة الأخوية بين دمشق وعمّان.
أسرة التحرير








