مع تحسن الظروف المناخية هذا العام وعودة الأمطار الغزيرة، استعادت البادية السورية أحد أبرز مواسمها التقليدية، إذ عاد ظهور “الكمأة” ليمنح كثيراً من العائلات فرصة نادرة لتحسين أوضاعها المعيشية، في وقت لا تزال فيه الأرض نفسها تخفي تهديدات قاتلة تتمثل بالألغام ومخلفات الحرب.
وسجلت مناطق البادية وفرة لافتة في إنتاج “بنت الرعد”، ما شجع الأهالي، على التوجه مجدداً نحو هذا النشاط الموسمي كمصدر دخل أساسي، وأكد عدد منهم أن الموسم الحالي يتفوق على السنوات السابقة من حيث الكمية، إلا أن هذا التحسن لا يلغي حجم المخاطر التي ترافق عمليات البحث والجمع في مناطق غير آمنة.
ويقول محمد سليم، وهو من أبناء مدينة جيرود، ويملك خبرة طويلة في هذا المجال، إن جمع “الفقع” ليس مهمة سهلة، بل يحتاج إلى معرفة دقيقة بطبيعة الأرض ومؤشراتها النباتية، إضافة إلى صبر وجهد كبيرين، ويصف هذه العملية بأنها أشبه بعمل استقصائي داخل البادية، نظراً لما تتطلبه من مهارة في التتبع والبحث.

وفي الوقت ذاته، حذر سليم من اندفاع بعض الهواة إلى البادية من دون خبرة كافية، مشدداً على أن الجهل بمسالك المنطقة قد يقود إلى عواقب خطيرة، وخاصة مع انتشار الألغام في مساحات واسعة، ما يجعل أي خطأ مكلفاً للغاية.
وعلى صعيد الأسواق، فرضت “فاكهة الصحراء” حضورها بقوة هذا الموسم، مع استمرار الطلب عليها رغم ارتفاع أسعارها، ويوضح البائع عبدو غرة أن المخاطر التي يواجهها الباحثون عن الكمأة تنعكس مباشرة على تكلفتها، إذ تتراوح أسعار الكيلوغرام بين 100 و250 ألف ليرة سورية قديمة، مع تسجيل النوع الأبيض أعلى الأسعار.
ويتميز الموسم بتنوع أصناف الكمأة، إذ يظهر في بدايته “الزبيدي” كبير الحجم، تليه أنواع “الحدج” و”الحركا”، وصولاً إلى “الجعبري” في نهاية الموسم، إلى جانب “الهوبر” الذي يعد من أوائل الأنواع ظهوراً رغم صغر حجمه.
وفي المنازل، تحافظ “بنت الرعد” على مكانتها كمكون رئيسي في عدد من الأطباق الشعبية، وتشير أم محمد إلى تنوع طرق إعدادها، سواء بالسلق أم القلي أو إضافتها إلى الأرز، مؤكدة أن مذاقها وقيمتها الغذائية يجعلانها خياراً مفضلاً لدى الكثيرين.
ورغم ما يحمله هذا الموسم من فرص، تتزايد التحذيرات من المخاطر الكامنة في البادية، إذ تواصل الألغام ومخلفات الحرب حصد أرواح المدنيين، وتؤكد منظمات إنسانية أن العديد من المناطق لا تزال غير آمنة، داعية إلى عدم المجازفة قبل استكمال عمليات إزالة الألغام.
وفي ظل هذا التناقض بين وفرة الرزق وخطورة الطريق إليه، يبقى موسم الكمأة في البادية السورية اختباراً صعباً بين الحاجة الاقتصادية ومتطلبات السلامة، ما يفرض على الأهالي موازنة خياراتهم بحذر شديد في بيئة لا تحتمل الأخطاء.








