كثيرة هي القراءات والمؤشرات التي يمكن قولها وبحثها في قرار إلغاء قانون قيصر المفروض على سوريا، إلا أن القرار ليس مجرد خطوة تشريعية، بل هو إعلان عن نهاية عصر سياسي كامل، وبداية مرحلة جديدة تتسم بالبراغماتية، وإعادة الانخراط، والاعتراف بواقع جديد في سوريا والمنطقة.. إنه تحوّل رمزي من العقاب إلى إعادة التأهيل، ومن العزل إلى الشراكة، ومن الضغط الخارجي إلى سياسة التأثير عبر الانفتاح.
وأوضح الخبير القانوني المقيم في باريس والمتخصص في مجال حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، المعتصم الكيلاني في تصريح خاص لـ” الوطن” اليوم الخميس أن جلسة التصويت على إلغاء القرار في مجلس النواب الأميركي شهدت تبدّل مواقف عدد من الأعضاء في اللحظات الأخيرة، لتكون النتيجة الإقرار بأغلبية 312 صوتاً مقابل 112 لمصلحة مشروع قانون تفويض الدفاع
الوطني للسنة المالية 2026.

وأضاف: ” يتضمّن هذا المشروع بنداً صريحاً بإلغاء قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا لعام 2019، وهو القانون الذي شكّل منذ دخوله حيّز التنفيذ واحدة من أكثر أدوات العقوبات الأميركية شدةً واتساعاً ضد سوريا، واستهدف الحكومة السابقة وحلفاءها وكل جهة خارجية تتعامل معها اقتصادياً أو استثمارياً”.
وأشار الكيلاني إلى أن إلغاء قانون قيصر جاء هذه المرّة ضمن صفقة تشريعية أوسع تتعلق بتمويل وزارة الدفاع والجيش الأميركي لعام 2026 (الـNDAA)، وهي الصيغة المعتادة التي تمرّر عبرها واشنطن الكثير من البنود السياسية في قوانين الدفاع السنوية.
وبيّن الكيلاني أن التصويت في مجلس النواب يعني أن المجلس وافق على النسخة النهائية التي توافَق عليها المفاوضون من “النواب والشيوخ”، لكنّه لا يعني أن الإلغاء دخل حيّز النفاذ القانوني.. فالخطوة التالية هي استكمال المسار الدستوري الأميركي (التصويت النهائي في مجلس الشيوخ على النص المتوافق عليه، ثم رفع القانون إلى الرئيس الأميركي لتوقيعه)، وبعد التوقيع ونشر القانون في السجل الفيدرالي يصبح إلغاء قيصر نافذاً ورسمياً.
وتابع: “حتى لحظة حديثنا هذه، التحرك في الكونغرس يمضي باتجاه الإلغاء، لكن التنفيذ الفعلي مرتبط بالانتهاء من هذه السلسلة الدستورية، والتوقيع الرئاسي في النهاية، كما أن النص النهائي المتوافق عليه لا يكتفي بحذف مواد قانون قيصر من التشريع الأميركي فحسب، بل يعيد ترتيب العلاقة بين مسألة العقوبات على سوريا والسياسة الأميركية تجاه الحكومة السورية الجديدة، فبدلاً من وجود قانون خاص مستقل يفرض عقوبات شاملة واسعة، أصبح الإطار الجديد يقوم على إلغاء القانون نفسه، مع الإبقاء على إمكانية استخدام عقوبات محدّدة عند الحاجة في إطار القوانين الأميركية العامة للعقوبات ومكافحة الإرهاب وغسل الأموال، وليس من خلال قانون قيصر كـ«مظلّة خاصة» قائمة بذاتها، كما يطلب الكونغرس من الإدارة الأميركية تقديم تقارير دورية عن سلوك الحكومة السورية في ملفات معيّنة مثل مكافحة تنظيم داعش، واحترام حقوق الأقليات، وعدم الإقدام على أعمال عسكرية غير مبرّرة ضد دول الجوار، والالتزام بمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، على أن تبقى هذه التقارير أساساً للتقييم السياسي أكثر من كونها صمّاماً آلياً لإعادة تفعيل قانون قيصر نفسه”.
وبيّن أنه بهذا المعنى، الفارق الأساسي بين الصيغة الجديدة والصيغ الأقدم هو أن قانون قيصر نفسه يُمحى من المنظومة القانونية الأميركية، ولا يعود هناك نصّ خاص يُهدّد تلقائياً بمعاقبة أي طرف يدخل في علاقة استثمارية أو تجارية مع سوريا كما كان يحدث سابقاً، حيث كان «الغموض المتعمَّد» في صياغة بعض بنوده يُستخدم لردع الشركات والمصارف الدولية لمجرّد التفكير في دخول السوق السورية، مشيراً إلى أنه الآن ينتقل الثقل من قانون عقوبات شامل ومرعب إلى مزيج من أدوات أخرى أضيق نطاقاً وأكثر استهدافاً، يمكن استخدامها ضد أفراد أو كيانات محددة إذا رأت الإدارة الأميركية أن سلوكها يمسّ الأمن القومي الأميركي أو يدعم الإرهاب أو يغسل أموالاً مشبوهة.
وقال: “من الناحية الإجرائية إذاً، يمكن القول إن المسار التشريعي لرفع قانون قيصر قطع الجزء الأكبر من الطريق داخل الكونغرس، وهو الآن في المرحلة التي تسبق اللحظة الحاسمة”.
وشدد الكيلاني على أن تأثير إلغاء قانون قيصر على الاقتصاد السوري سيكون عميقاً، لكنه لن يكون سحرياً أو فورياً، بل هو تدريجي ومتفاوت بين القطاعات والجهات الفاعلة.
وأشار الكيلاني إلى أنه يمكن فهم هذا التأثير في عدة مستويات مترابطة، أهمها لجهة تخفيف الخنق الخارجي عن اقتصاد منهك انكمش بحوالي 80 بالمئة مقارنة بما قبل 2011،، واستعادة الاتصال مع النظام المالي العالمي، حيث كان أحد أخطر آثار قيصر عزلة سوريا عن النظام المالي العالمي وصعوبة التعامل مع المصارف المراسلة وعمليات التحويل الدولية، أو لجهة تحوّل في مناخ الاستثمار الدولي، فقانون قيصر كان مصمَّماً عمداً ليسبب حالة خوف لدى أي مستثمر أجنبي يفكر في الدخول إلى السوق السورية، حتى لو كان نشاطه قانونياً تماماً، إذ يكفي الغموض في تعريف «التعامل مع النظام» لردع الشركات والمصارف.
وختم الكيلاني بالقول: “إلغاء قانون قيصر – إذا اكتمل مساره التشريعي ودخل حيّز التنفيذ عبر توقيع الرئيس الأميركي – سيكون نقطة تحوّل كبيرة في مسار الاقتصاد السوري، لأنه يزيل غطاء قانونياً كان يمنع أي انفتاح اقتصادي جدّي، ويتيح لسوريا أن تعود تدريجياُ إلى النظام المالي والتجاري العالمي، وأن تستقطب استثمارات في الإعمار والطاقة والقطاع المالي والقطاعات الإنتاجية. لكن تحقيق الاستفادة القصوى من هذه الفرصة يتوقف أولاً وأخيراً على قدرة السوريين، دولةً ومجتمعاً، على استثمار هذا الانفراج الخارجي في بناء اقتصاد أكثر شفافية وتوازناً وعدالة، وليس في ملء الفراغ الذي تركته سنوات الحرب والعقوبات فقط”.








