فجّر حاكم مصرف سوريا المركزي، صفوت رسلان، مفاجأة اقتصادية وسياسية بارزة بدعوته المواطنين إلى اعتماد الليرة السورية بشكل كامل في كل التعاملات المادية.
وكشف رسلان، خلال افتتاحه فرع المصرف المركزي في إدلب يوم أمس، عن عقده اجتماعاً مع حاكم المصرف المركزي التركي ومؤسسة البريد التركية لبحث الترتيبات اللوجستية اللازمة لسحب الليرة التركية تدريجياً ووقف ضخها إلى الداخل السوري بشكل كامل.
وقد أثار هذا التوجه ردود أفعال متباينة بين الأكاديميين، حيث اعتبر الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، في حديثه لصحيفة “الوطن” أن هذا القرار يمثل من الناحية النظرية الدواء الصحيح الوحيد لإنقاذ العملة على المدى الطويل، لكنه استدرك بأن تطبيقه في الواقع الحالي ومن دون شروط مسبقة سيكون له تأثير سلبي ومدمر على سعر الصرف على المديين القصير والمتوسط.

وفي مقابل المخاوف، أوضح أستاذ الاقتصاد في جامعة حلب الدكتور عبد الحميد الصباغ لصحيفة “الوطن” أن العملة الوطنية لأي دولة في العالم تُشكل رمزاً أساسياً من رموز سيادتها الوطنية، وهو ما يفرض حصر التعاملات المالية والتحويلات بداخلها بالعملة المحلية حصراً ومنع تداول ما سواها في الأسواق الداخلية.
ورأى الصباغ أن الخطوات المتخذة لسحب عملات دول الجوار، كالليرة التركية على سبيل المثال، من التداول في الأسواق السورية ستسهم بوضوح في رفع سعر صرف الليرة السورية وزيادة قوتها الشرائية، ويعود ذلك أساساً إلى تراجع الطلب على تحويل الليرة السورية إلى عملات أخرى، ما يرفع من مستويات الطلب على العملة الوطنية ويدعم استقرارها العام في السوق.
وفي سياق متصل، شرح الدكتور عبد الرحمن محمد المبررات التي تدعم الأثر الإيجابي للعملية من الناحية النظرية وعلى المدى الطويل كهدف نهائي منشود، مبيناً أن العملية معلقة على شروط صارمة تؤدي أولاً إلى توسيع قاعدة الطلب على الليرة، فعندما تُجبر مناطق بأكملها وخاصة في الشمال على التعامل بالليرة السورية حصراً يتولد طلب مصطنع وهائل عليها، وأن زيادة الطلب لشراء السلع ودفع الرواتب والإيجارات تؤدي نظرياً إلى تحسن القيمة، فضلاً عن إنهاء المنطقة النقدية المنافسة، إذ طالما يملك المواطن خيار الهروب من الليرة المتدهورة إلى الليرة التركية أو الدولار فإن أي ضغط تضخمي سيتسبب فوراً بهجرة جماعية من العملة الوطنية ويسرع انهيارها، والقرار الجديد يسد هذا الباب تماماً.
وأضاف محمد: إن الخطوة تضمن أيضاً استعادة حق إصدار العملة، لأنه عندما يستخدم الناس الليرة التركية يكون البنك المركزي التركي هو المستفيد من فارق تكلفة طباعة العملة وقيمتها الشرائية، بينما يعيد إجبار الناس على التعامل بالليرة السورية، هذه الإيرادات الضخمة غير التضخمية للحكومة السورية ويسمح لها بتمويل عجزها من دون اللجوء إلى طبع المزيد من النقود المسببة للتضخم والانهيار، مشدداً على أنه لا يمكن امتلاك سياسة نقدية مستقلة تعالج سعر الصرف ما لم تكن العملة الوطنية هي السيدة والمهيمنة في مسرح العمليات الاقتصادي المحلي كقانون اقتصادي لا جدال فيه.
الآثار السلبية المحتملة ومخاطر التطبيق المتسرع
وعلى صعيد المخاطر والتطبيق العملي، استعرض أستاذ التمويل والمصارف الآثار السلبية للجانب العملي على أرض الواقع الحالي كسيناريو أكثر ترجيحاً في حال تم التطبيق المتسرع، وهنا يكمن مربط الفرس، إذ رأى أن القرار قد يتسبب بصدمة طلب هائلة على الدولار لكونه لا يمنع التعامل بالدولار بل يمنع الليرة التركية فقط، ويتساءل عما سيفعله المواطن الذي أُجبر على التخلي عن الليرة التركية وكان يثق بها أكثر من الليرة السورية، حيث سيسارع بالتأكيد إلى تحويل مدخراته من الليرة التركية إلى الدولار وليس إلى الليرة السورية، ما يوفر طلباً فورياً وضخماً على الدولار في السوق السوداء ويؤدي بدوره إلى قفزة حادة وفورية في سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية.
وتابع محمد: إن الخطوة ستؤدي كذلك إلى فقدان مخزون القيمة الوحيد المتبقي لملايين السوريين في الشمال الذين كانت الليرة التركية بالنسبة لهم، رغم تدهورها، المخزن الأقل سوءاً مقارنة بالليرة السورية، وبإزالة هذا الخيار ستتحول كل المدخرات والتحوطات إلى الدولار والذهب ما يضاعف الضغط على الليرة، إضافة إلى تسببها في انهيار المرساة الاسمية، فالأسعار في الشمال كانت تُسعر بالليرة التركية ما وفر قدراً من الاستقرار النسبي لارتباطها بعملة ذات سياسة نقدية مختلفة، وأن إجبار الأسواق على التسعير بالليرة السورية سيربط هذه الأسعار فوراً بتقلبات سوق الصرف في دمشق ما يعني استيراد التضخم وعدم الاستقرار إلى تلك المناطق وزيادة الضغط على سعر الصرف الإجمالي.
وختم محمد رؤيته السلبية بأن سحب الليرة التركية سيُظهر العجز الحقيقي، لأن هذه العملية تتطلب أن يكون لدى المركزي السوري غطاء كافٍ من الليرة التركية أو العملات الصعبة لمبادلتها وهو أمر غير متوفر على الأرجح، ما سيؤدي إلى فجوة عرض في السوق يندفع إثرها الجميع نحو التدافع على الدولار القليل المتاح للتخلص من عملتهم التركية.
إدارة الكتلة النقدية وأدوات التحفيز المالي
وبالعودة إلى الدكتور عبد الحميد الصباغ، فرأى من وجهة نظره أن استقرار العملة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرة الحكومة والمصرف المركزي على ضبط الكتلة النقدية المطروحة للتداول، فالحكومة هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن ضخ النقد عبر شقين رئيسيين: هما الإنفاق الجاري الذي يشمل كتلة الرواتب والأجور ومصاريف الاستهلاك اليومي للمؤسسات الحكومية، والإنفاق الاستثماري الموجه لمشروعات البنية التحتية والمشروعات الاقتصادية التنموية والذي يشهد حالياً حركة هادئة ومدروسة تمنع حدوث أي طفرات مفاجئة في طرح النقد بالأسواق.
ولفت الصباغ إلى أن القراءات الاقتصادية تؤكد أن طرح كميات جديدة من الليرة السورية في الأسواق لن يتم عشوائياً، بل سيأتي كاستجابة لسياسات تحفيزية منظمة تشمل تقديم تسهيلات ائتمانية وقروض مصرفية وإعانات حكومية موجهة لدعم المواطنين والقطاعات الإنتاجية والصناعية بشكل عام، ورغم أن المصرف المركزي قد وجه سابقاً بإعادة فتح باب الائتمان ومنح القروض لمختلف القطاعات الاقتصادية بشروط ميسرة وفترات سداد ممتدة أو فوائد منخفضة، إلا أن اتخاذ قرارات بضخ كتل نقدية ضخمة مازال يدرس بحذر شديد لضمان عدم حدوث آثار تضخمية مرافقة.
شروط النجاح والتحذير من الصدمة
وفي الوقت الذي رأى فيه الصباغ أن القرار بمجمله يحمل نتائج إيجابية للاقتصاد، خلص محمد إلى أن الأثر سيبقى سلبياً على سعر الصرف في المدى المنظور ما لم يُقترن القرار بثلاثة شروط وصفها بالتعجيزية في السياق الحالي، ويتمثل الشرط الأول في بناء ثقة جذرية بالليرة السورية وهو أمر غير موجود حالياً ويتطلب وقف التضخم وضبط المالية العامة وتوحيد سعر الصرف ووجود غطاء نقدي حقيقي، ويتمثل الشرط الثاني في توفير بديل موثوق للادخار بالليرة السورية كإصدار شهادات إيداع بفائدة حقيقية موجبة تغطي التضخم المتوقع وهو أمر أشبه بالمستحيل في الوقت الراهن، بينما يتمثل الشرط الثالث في فرض ضوابط صارمة على حركة رأس المال لمنع الهروب الجماعي المتوقع من الليرة السورية إلى الدولار فور تطبيق القرار.
وختم أستاذ التمويل والمصارف حديثه بالتأكيد على أنه بصراحة ومن دون هذه الشروط، فإن القرار يشبه تماماً محاولة علاج مريض بالسرطان المتمثل هنا في الدولرة عن طريق بتر ذراعه السليمة نسبياً والمتمثلة في منطقة التعامل بالليرة التركية، الأمر الذي سيصيب الجسد الاقتصادي بصدمة نزيف حاد ناجم عن الطلب الكثيف على الدولار وقد تودي هذه الصدمة بحياته، معتبراً أن النية استراتيجية وسليمة بالفعل، لكن التطبيق في هذا التوقيت بالذات ومن دون أدوات سياسة نقدية فاعلة هو وصفة لتدهور إضافي وكبير في سعر الصرف.








