يرى عضو غرفة تجارة دمشق محمد الحلاق في تصريح لـ” الوطن” أن النقاش الدائر حول ما يسمى بالمستورد الوهمي يحتاج إلى توصيف أكثر دقة مؤكداً أن المشكلة الحقيقية ليست وجود مستوردين وهميين بقدر ما هي انتشار الاستيراد باسم الغير نتيجة تشوهات متراكمة في بيئة العمل والتشريعات الناظمة للنشاط الاقتصادي.
ويقول الحلاق إن وزير المالية محمد يسر برنية يبذل جهداً واضحاً لتنظيم العمل وحوكمته لكن الوصول إلى نتائج مختلفة يتطلب معالجة الأسباب التي أوصلت قطاع الأعمال إلى هذا الواقع وليس الاكتفاء بمعالجة النتائج.
لا يوجد مستورد وهمي بل مستورد باسم الغير
ويؤكد الحلاق أنه لا يوجد شيء اسمه مستورد وهمي بالمعنى المتداول لأن الشخص الذي يتم الاستيراد باسمه يكون موجوداً بشكل قانوني ويحمل سجلاً تجارياً ورقماً ضريبياً ورقماً وطنياً وله مقر عمل وبالتالي فهو شخص حقيقي لكنه يقوم بالاستيراد نيابة عن شخص آخر

ويضيف إن السؤال الحقيقي ليس لماذا يوجد مستورد باسم الغير بل لماذا اضطر قطاع الأعمال إلى اللجوء لهذا الأسلوب مبيناً أن السبب يعود إلى البيروقراطية وتشابك الإجراءات بين المالية والاقتصاد والجمارك ومصرف سورية المركزي وحماية المستهلك ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل الأمر الذي دفع الكثير من التجار إلى تفويض أشخاص آخرين مقابل نسبة محددة لتولي إجراءات الاستيراد وتحمل الأعباء الإدارية والقانونية.
خفض الأعباء التشغيلية
ويشير الحلاق إلى أن الاستيراد باسم الغير وفر على بعض التجار جزءاً من النفقات التشغيلية إذ أصبح عدد كبير من المستوردين يعملون من خلال مؤسسة واحدة بدلاً من إنشاء مؤسسات متعددة بكل ما يرافقها من تكاليف تتعلق بالتأمينات الاجتماعية والعمال والالتزامات الإدارية.
ويضيف إن بعض المكلفين يلجؤون أيضاً إلى إغلاق سجلاتهم التجارية بعد عدة سنوات وافتتاح سجلات جديدة بهدف تجنب ارتفاع التكليفات الضريبية التي ترتبط في بعض الأحيان بعمر المنشأة وتاريخها وليس بحجم نشاطها الحقيقي
بيئة مستقرة وعدالة ضريبية
ويؤكد الحلاق أن الوصول إلى استيراد حقيقي باسم المستورد الفعلي يتطلب أولاً وجود بيئة عمل مستقرة وواضحة وشفافة تقوم على قبول البيانات الحقيقية وعدم اللجوء إلى التكليف المباشر بأرقام لا تعكس الواقع
ويشدد في المقابل على أن المستورد الحقيقي مطالب أيضاً بالالتزام الكامل بتقديم البيانات الصحيحة وإثبات النفقات والالتزام باسماء المشترين وكل المتطلبات القانونية بما يحقق العدالة الضريبية
ويرى أن المشكلة تكمن في استمرار معالجة النتائج دون معالجة الأسباب مؤكداً أن أي قرار يصدر سيحتاج لاحقاً إلى تعديلات ما دامت البيئة الاقتصادية نفسها لم تتغير وما دامت الأسباب التي دفعت إلى هذه الممارسات ما زالت قائمة.
تاريخ الشركات يتحول إلى عبء
ويعتبر الحلاق أن من المفارقات الموجودة في سوريا أن الشركات لا تسعى للحفاظ على تاريخها كما يحدث في معظم دول العالم بل تلجأ في كثير من الأحيان إلى إغلاق شركاتها وافتتاح شركات جديدة أو الاستيراد باسم الغير لأن استمرار الشركة لسنوات طويلة يتحول في بعض الحالات إلى مؤشر يؤدي إلى زيادة التكليفات الضريبية.
ويضيف إن مشروع قانون ضريبة الدخل الجديد يمثل خطوة مهمة لكنه لن يحقق أهدافه بالكامل إذا بقيت الجهات الحكومية تعمل كل منها بمعزل عن الأخرى مؤكداً أن الشفافية المطلوبة من قطاع الأعمال لا يمكن تحقيقها في ظل غياب التكامل وتبادل البيانات بين المالية والاقتصاد والجمارك ومصرف سورية المركزي وحماية المستهلك والشؤون الاجتماعية والعمل.
تشاركية مطلوبة بين الدولة والقطاع الخاص
ويثمن الحلاق تشكيل وزير المالية لجنة تضم ممثلين عن القطاع الخاص للمشاركة في مناقشة النظام الضريبي ومجلس الضريبة معتبراً أنها خطوة مهمة طال انتظارها لكنها تبقى غير كافية إذا لم تتحول إلى منظومة حكومية متكاملة تحقق التوازن بين جميع الأطراف
ويشير إلى أن القانون الجمركي الجديد شكل بداية جيدة ولا مانع من إدخال تعديلات عليه لاحقاً لافتاً إلى أن اعتماد الرسوم الجمركية على الوزن بدلاً من القيمة شجع بعد التحرير كثيراً من المستوردين على استخدام الفواتير الحقيقية.
لكنه يوضح أن تطبيق سلفة ضريبة الدخل بالشكل الحالي أعاد جزءاً من المشكلة بعدما أصبحت الفواتير ذات القيم الحقيقية ترتب أعباء ضريبية وإنفاقاً استهلاكياً أعلى ما دفع بعض الفعاليات الاقتصادية مجدداً إلى تخفيض قيم الفواتير أو استخدام أسماء مشترين مختلفين لتقليل التكليفات الضريبية.
تشوهات بين المحافظات
ويؤكد الحلاق أن العدالة الضريبية يجب أن تشمل جميع المحافظات لافتاً إلى أن دمشق تتحمل منذ سنوات العبء الضريبي الأكبر تليها حلب بينما توجد محافظات لا تتحمل المستوى نفسه من التكليفات الأمر الذي دفع بعض الفعاليات الاقتصادية إلى الاستيراد باسم الغير من خلال محافظات أخرى لتخفيف الأعباء الضريبية.
ويشدد على أن هذه التشوهات تحتاج إلى حلول خارج الصندوق تعالج جذور المشكلة وتعيد الثقة بين المكلفين والإدارة الضريبية موضحاً أن قطاع الأعمال يضم شريحة واسعة تسعى للعمل بشكل نظامي ونظيف مقابل فئة أخرى تعتمد على التهرب الضريبي واستباحة المال العام.
ويختم الحلاق بالقول إن استمرار البيئة الحالية يؤدي إلى تراجع عدد الملتزمين ضريبياً واتساع اقتصاد الظل مؤكداً أن المطلوب اليوم شراكة حقيقية تعزز الثقة بين دافعي الضرائب والحكومة وتتيح للمالية الاستماع إلى ملاحظات القطاع الخاص وتطوير آليات العمل بما يحقق العدالة للجميع.
وكانت وزارة المالية أعلنت عبر موقعها الرسمي أنها أصدرت القرار رقم 2327 في إطار مكافحة التهرب الضريبي من خلال اللجوء إلى المستوردين الوهميين وذلك بالتنسيق مع الهيئة العامة للمنافذ والجمارك بهدف تعزيز النزاهة والشفافية في عمليات الاستيراد وحماية المال العام.
ويقضي القرار بتحميل المخلصين الجمركيين مسؤولية التحقق من هوية المستورد الحقيقي وترتيب المسؤولية القانونية بحق كل من يثبت تورطه في تنظيم بيانات جمركية لمستوردين وهميين أو المساهمة في إخفاء هوية المستورد الفعلي.








