في محاولة لتأمين استقرار الإمدادات النفطية والحد من انتقال صدمة الأسعار العالمية إلى جيوب المواطنين، تتحرك الحكومة السورية لتطويق تداعيات الأزمة على السوق المحلية، عبر تعزيز مخزونات المشتقات النفطية، وتنويع قنوات الاستيراد والتخزين، ورفع كفاءة التكرير.
في هذا السياق أكد الباحث في الشؤون الاقتصادية الدكتور مصعب شبيب أنه في ظل الاضطراب الاستثنائي الذي تشهده أسواق الطاقة العالمية، وارتفاع أسعار النفط الخام إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل، تصبح إدارة ملف المشتقات النفطية في سوريا مسألة تتجاوز مفهوم تأمين الوقود، لتتحول إلى قضية مرتبطة مباشرة باستقرار الاقتصاد وحماية القطاعات الحيوية والحياة اليومية للمواطنين.
وبين في تصريح لـ”الوطن”: أن ارتفاع أسعار النفط عالمياً ينعكس سريعاً على تكلفة النقل والإنتاج والخدمات، وقد ينتقل بصورة غير مباشرة إلى أسعار السلع الأساسية، وفي مقدمتها الخبز، باعتبار أن إنتاجه ونقله وتوزيعه يرتبط بالطاقة، من هنا تكتسب الإجراءات التي تتخذها الحكومة أهمية كبيرة، ولاسيما تلك التي تهدف إلى بناء مخزون أمان ومنع حدوث اختناقات مفاجئة في السوق.
واقترح شبيب بأن تقوم الحكومة باتخاذ عدة إجراءات من شأنها التخفيف من آثار أزمة النفط العالمية على السوق المحلية من أبرزها إبرام عقود آجلة عندما تكون الأسعار العالمية في مستويات منخفضة، بما يسمح بتثبيت جزء من تكلفة الاحتياجات المستقبلية، ويخفف تعرض الخزينة والسوق المحلية للصدمات الحادة ، إضافة إلى التفكير بإحداث صندوق أمان للطاقة يمكن أن يشكل أداة مالية مهمة لامتصاص تقلبات الأسعار، حيث لا تنتقل الارتفاعات العالمية بشكل كامل وفوري إلى السوق المحلية ، فضلاً عن القيام باستئجار خزانات لتخزين المشتقات النفطية في تركيا، والذي يمكن النظر إليه ضمن استراتيجية أوسع لتنويع نقاط التخزين والإمداد، ورفع القدرة على تكوين مخزون استراتيجي، بما يمنح سوريا هامشاً زمنياً للتعامل مع أي اضطراب في طرق النقل أو صعوبات الاستيراد.
ورأى بأن أعمال العمرة في مصفاة بانياس بهدف رفع الطاقة الإنتاجية مستقبلاً من نحو 80 ألف برميل يومياً إلى 130 ألفاً لا ينبغي التعامل معه كحل مباشر لأزمة الأسعار العالمية، إنما كاستثمار استراتيجي في الأمن الطاقوي السوري .
واوضح شبيب بأنه كلما ارتفعت قدرة التكرير المحلية، فإن ذلك ممكن أن يسهم في تقليل الاعتماد على استيراد المشتقات الجاهزة، ورفع مرونة السوق أمام الأزمات الخارجية، علماً أن ذلك لا يلغي الحاجة إلى تأمين النفط الخام، لافتاً في الوقت نفسه بأن الاستيراد في ظل الظروف الحالية، يبقى حاجة ملحة لضمان استمرارية الإمدادات، ولاسيما عندما تكون القدرة المحلية على الإنتاج والتكرير غير كافية.
وشدد شبيب على ضرورة إدارة الاستيراد بكفاءة، وتنويع مصادره ومورديه ومساراته، والاستفادة من التخزين المسبق والعقود طويلة الأجل والآجلة لتقليل مخاطر الأسعار.
ولفت إلى أن ارتفاع الفروقات السعرية مع دول الجوار قد يزيد حوافز تهريب المشتقات، ما يستدعي تشديد الرقابة على المعابر وحركة الصهاريج، وربط عمليات التوزيع إلكترونياً ومراقبة الكميات من المصدر إلى المستهلك، لأن أي تسرب للوقود المدعوم أو المتاح للسوق المحلية إلى الخارج يعني عملياً انخفاض المعروض وارتفاع الضغط على الأسعار داخلياً.
وختم حديثه بالقول: إن الحل الأكثر استدامة في الوقت الراهن هو التعامل مع الأزمة عبر حزمة متكاملة تتضمن تأمين مخزون استراتيجي، وإبرام عقود شراء مسبقة، وتنويع مصادر الاستيراد، ورفع كفاءة المصافي، والحد من الهدر والتهريب، والتوسع التدريجي في مصادر الطاقة البديلة. ، مبيناً بأن الهدف ليس فقط تجاوز موجة ارتفاع الأسعار الحالية، وإنما بناء منظومة طاقة سورية أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات الدولية المقبلة.









