محكمة الجنايات الرابعة بدمشق تبدأ جلستها السادسة من محاكمة عاطف نجيب المتهم بارتكاب جرائم بحق الشعب السوري

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

النساء والملكية.. معركة استعادة الحقوق بعد سنوات الحرب

‫شارك على:‬
20
هناء غانم
الوطن -

أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقريراً يسلط الضوء على أحد أكثر الملفات تعقيداً منذ عام 2011، حيث لم تعد معركة آلاف السوريات تقتصر على النجاة من الحرب، بل امتدت إلى استعادة منازلهن وأراضيهن وحقوقهن القانونية.

بعد أكثر من خمسة عشر عاماً على اندلاع النزاع في سوريا، لم تعد آثار الحرب تُقاس بعدد الضحايا أو حجم الدمار وحدهما، بل أصبحت تُقاس أيضاً بحجم الحقوق التي ما تزال معلقة، وفي مقدمتها حق الملكية. فالمنزل الذي هُدم أو صودر، والأرض التي فقد أصحابها السيطرة عليها، والوثائق التي ضاعت خلال النزوح، لم تعد مجرد خسائر مادية، بل تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في مرحلة ما بعد النزاع، لأنها ترتبط بالكرامة الإنسانية، والحق في العودة، والاستقرار الاقتصادي، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة.

وفي هذا السياق، يكتسب التقرير الصادر حديثاً والذي حصلت “الوطن “على نسخة منه عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان (SNHR) بعنوان “انتهاكات حقوق الملكية بحق النساء في سوريا منذ عام 2011: أنماط الحرمان وأثره على النساء في سياق النزاع والمرحلة الانتقالية” أهمية خاصة، لأنه يسلط الضوء على ملف ظل لسنوات أقل حضوراً من ملفات الاعتقال أو القتل أو الاختفاء القسري، رغم أنه قد يكون من أكثر الملفات تأثيراً في مستقبل سوريا.

ولا يتعامل التقرير مع قضية الملكية باعتبارها نزاعاً عقارياً فحسب، بل يربطها مباشرة بالعدالة الانتقالية، ويعتبر أن معالجة هذا الملف ستكون أحد الاختبارات الحقيقية لقدرة الدولة السورية على إعادة بناء سيادة القانون، وترميم الثقة بالمؤسسات، وتهيئة الظروف لعودة آمنة وكريمة للنازحين واللاجئين.

النساء… الخاسر الأكبر في معركة الملكية!

تكشف المادة التي يوثقها التقرير أن النساء السوريات كن من أكثر الفئات تعرضاً لخسارة حقوق الملكية خلال سنوات النزاع، ليس فقط بسبب العمليات العسكرية، وإنما نتيجة تداخل عوامل قانونية وإدارية واجتماعية جعلت استعادة الحقوق أكثر تعقيداً.

واعتمد التقرير على 35 شهادة موثقة لنساء من محافظات سوريا مختلفة، جُمعت بين كانون الثاني/يناير 2025 وآذار/مارس 2026، لرصد أنماط الانتهاكات التي تراكمت منذ عام 2011. ورغم أن هذه الشهادات لا تمثل إحصاءً شاملاً، فإنها تقدم صورة نوعية عن طبيعة المشكلات التي واجهتها النساء في حماية ممتلكاتهن أو استعادتها.

وتوضح الشهادات أن كثيراً من النساء فقدن الوثائق التي تثبت ملكيتهن أثناء النزوح، أو وجدن أنفسهن أمام إجراءات قانونية معقدة بعد وفاة الأزواج أو اعتقالهم أو اختفائهم، في حين واجهت أخريات صعوبات في الوصول إلى المؤسسات المختصة أو متابعة الدعاوى القضائية، سواء بسبب النزوح أو التكاليف أو الظروف الأمنية التي سادت خلال سنوات طويلة.

ولا يقتصر أثر هذه الانتهاكات على فقدان المنزل أو الأرض، بل يمتد إلى فقدان مصدر الدخل، وتراجع القدرة على إعالة الأسرة، وتعميق الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي يجعل قضية الملكية مرتبطة بصورة مباشرة بحقوق أخرى، مثل الحق في السكن اللائق، والعمل، والاستقرار الأسري.

ثلاثة مسارات للحرمان… و11 نمطاً من الانتهاكات

من أبرز ما يميز التقرير أنه لا يكتفي بعرض شهادات فردية، بل يحاول تصنيف الانتهاكات ضمن إطار تحليلي واضح، يقسمها إلى ثلاث فئات رئيسة.

تتمثل الفئة الأولى في الانتهاكات المباشرة للملكية، مثل الاستيلاء على المنازل، والمصادرة، والتدمير، واستخدام الممتلكات لأغراض عسكرية أو أمنية.

أما الفئة الثانية فتتعلق بـ الإجراءات القانونية والإدارية التي يناقشها التقرير، ويرى أنها أسهمت في تعقيد قدرة كثير من المتضررات على استعادة حقوقهن أو إثبات ملكيتهن.

في حين تشمل الفئة الثالثة العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي زادت من هشاشة النساء، ومنها النزوح الطويل، وفقدان الوثائق، والنزاعات المتعلقة بالإرث، وصعوبة الوصول إلى العدالة.

ويذهب التقرير إلى أبعد من ذلك، إذ يرصد 11 نمطاً من الانتهاكات المرتبطة بحقوق الملكية، من بينها التهجير القسري، وتدمير الممتلكات، والاستيلاء عليها، والحجز والمصادرة، وفقدان الوثائق، والتلاعب بالسجلات العقارية، والقيود التي تعوق الوصول إلى القضاء، والنزاعات المرتبطة بالإرث، والابتزاز المالي الذي واجهته بعض المتضررات أثناء محاولات استعادة ممتلكاتهن.

هذه الأنماط، كما يعرضها التقرير، تكشف أن خسارة الملكية لم تكن نتيجة سبب واحد، وإنما نتاج تفاعل معقد بين الحرب، والنزوح، والإجراءات القانونية والإدارية، والظروف الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما جعل النساء يتحملن عبئاً مضاعفاً خلال سنوات النزاع.

تشريعات مثار جدل… وملف ينتظر المعالجة

لا يقتصر تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان على توثيق الانتهاكات، بل يخصص جانباً مهماً منه لتحليل البيئة القانونية التي أحاطت بحقوق الملكية خلال سنوات النزاع. ويشير إلى أن مجموعة من التشريعات والإجراءات الإدارية كان لها أثر بالغ في تعقيد أوضاع الملكية بالنسبة إلى شريحة واسعة من السوريين، وبصورة خاصة النساء اللواتي فقدن المعيل أو الوثائق أو القدرة على متابعة الإجراءات القانونية.

ومن بين التشريعات التي يناقشها التقرير المرسوم التشريعي رقم 63 لعام 2012 المتعلق بالحجز الاحتياطي على الأموال، وقانون مكافحة الإرهاب رقم 19 لعام 2012، والمرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012 الخاص بإحداث منطقتين تنظيميتين في دمشق، إضافة إلى القانون رقم 10 لعام 2018 المتعلق بإحداث مناطق تنظيمية جديدة. ويعرض التقرير قراءته لكيفية انعكاس هذه التشريعات، في بعض الحالات، على أوضاع الملكية وإثبات الحقوق، ولا سيما بالنسبة للنساء اللواتي واجهن ظروفاً استثنائية بسبب النزاع. كما يتطرق إلى قانون إدارة واستثمار الأموال المصادرة لعام 2023، ويعرض توصياته بشأن مراجعته، إضافة إلى الإشارة إلى مرسوم صدر في أيار/مايو 2025 بشأن إلغاء بعض قرارات الحجز الاحتياطي، مع الدعوة إلى توسيع نطاق معالجته.

وبغض النظر عن الجدل القانوني والسياسي المحيط بهذه التشريعات، فإن الرسالة الأساسية التي يقدمها التقرير هي أن أي عملية لإعادة تنظيم الملكيات أو تسوية النزاعات العقارية ينبغي أن تقوم على مبادئ الشفافية، وضمانات التقاضي العادل، وحماية الحقوق المكتسبة، وعدم التمييز بين المواطنين.

لماذا تُعد الملكية ركيزة للعدالة الانتقالية؟

تكمن أهمية التقرير في أنه ينقل النقاش من سؤال: “من يملك العقار؟” إلى سؤال أوسع: “كيف يمكن إعادة بناء الثقة في الدولة إذا بقيت حقوق الملكية محل نزاع؟”

فالعدالة الانتقالية، كما تفهمها الأدبيات الدولية، لا تقتصر على المحاسبة أو كشف الحقيقة، بل تشمل أيضاً جبر الضرر ورد الحقوق. وفي هذا الإطار، تصبح استعادة المنازل والأراضي، أو التعويض العادل عنها عندما يتعذر ذلك، عنصراً أساسياً في إعادة دمج المجتمعات المتضررة وتعزيز الاستقرار.

ويبرز التقرير أن النساء يشكلن محوراً رئيساً في هذه العملية، لأن تمكينهن من استعادة حقوقهن لا ينعكس على أوضاعهن الفردية فحسب، بل يمتد أثره إلى أسرهن ومجتمعاتهن المحلية، ويسهم في الحد من الفقر والهشاشة الاقتصادية.

العودة تبدأ من إثبات الحق

من أبرز الأفكار التي يطرحها التقرير أن العودة الآمنة والطوعية للنازحين واللاجئين لا ترتبط فقط بتوقف الأعمال العسكرية، بل أيضاً بوجود ضمانات قانونية وإدارية تمكّن الأفراد من استعادة ممتلكاتهم أو تسوية أوضاعها وفق إجراءات عادلة وفعالة.

ففي غياب هذه الضمانات، قد تبقى العودة محفوفة بالمخاطر أو غير ممكنة عملياً، حتى إذا توافرت ظروف أمنية أفضل. ومن هنا، يربط التقرير بين حماية حقوق الملكية وبين نجاح أي برامج مستقبلية للتعافي وإعادة الإعمار، معتبراً أن إعادة بناء المدن لا يمكن أن تنفصل عن إعادة بناء الثقة في منظومة العدالة.

توصيات تركز على المستقبل

لم يكتف التقرير بتوثيق الانتهاكات، بل يطرح حزمة من التوصيات، أبرزها:

إنشاء آلية مستقلة وشفافة للنظر في نزاعات الملكية.

حماية السجلات العقارية واستكمال رقمنتها حيثما أمكن.

توفير الدعم القانوني للنساء المتضررات، ولا سيما الأرامل وزوجات المفقودين والمعتقلين.

إزالة العقبات الإدارية التي تحول دون إثبات الملكية.

مواءمة التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية المتعلقة بحماية حق الملكية والمساواة وعدم التمييز.

ضمان مشاركة النساء في تصميم وتنفيذ برامج العدالة الانتقالية المتعلقة بالممتلكات والسكن والأراضي.

وتعكس هذه التوصيات، بحسب التقرير، قناعة بأن معالجة الملف لا تتطلب حلولاً قضائية فحسب، بل تحتاج أيضاً إلى إصلاحات مؤسسية وإدارية تضمن استدامة الحلول ومنع تكرار الانتهاكات.

أرقام تستحق التوقف عندها

يعتمد التقرير على مجموعة من المؤشرات التي تساعد في فهم نطاق الدراسة ومنهجيتها، ومن أبرزها:

2011: بداية الفترة التي يغطيها التقرير لرصد انتهاكات حقوق الملكية.

35 شهادة موثقة لنساء سوريات من محافظات مختلفة.

كانون الثاني/يناير 2025 – آذار/مارس 2026: الفترة التي جُمعت خلالها الشهادات.

3 فئات رئيسة صنف التقرير ضمنها أنماط الانتهاكات.

11 نمطاً من الانتهاكات المتعلقة بحقوق الملكية.

مناقشة 4 تشريعات رئيسة هي: المرسوم 63 لعام 2012، قانون مكافحة الإرهاب رقم 19 لعام 2012، المرسوم 66 لعام 2012، والقانون رقم 10 لعام 2018، إلى جانب الإشارة إلى تشريعات وإجراءات لاحقة ذات صلة.

وختاماً تكشف قضية حقوق الملكية للنساء في سوريا عن أحد أكثر الجوانب تعقيداً في مرحلة ما بعد النزاع. فبينما تنصرف الجهود إلى إعادة الإعمار وتحسين الخدمات، يذكّر تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان بأن إعادة بناء الجدران لا تكفي إذا بقيت الحقوق نفسها موضع نزاع أو غموض.

وتبرز أهمية هذا الطرح في أنه ينقل ملف الملكية من لكونه قضية عقارية أو إجرائية إلى لكونه قضية ترتبط بسيادة القانون والعدالة الانتقالية والاستقرار طويل الأمد. فالمرأة التي تتمكن من استعادة منزلها أو أرضها لا تستعيد أصلاً مادياً فقط، بل تستعيد جزءاً من أمنها الاقتصادي، واستقلالها، وشعورها بالانتماء.

وفي نهاية المطاف، يبدو أن أحد أكبر التحديات التي ستواجه سوريا في السنوات المقبلة لن يكون فقط إعادة بناء المدن، بل إعادة بناء الثقة بأن الحقوق يمكن أن تُحمى، وأن القانون قادر على إنصاف المتضررين.

ومن هذا المنظور، يقدم تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان مساهمة مهمة في فتح نقاش يتجاوز حدود الملكية العقارية، ليصل إلى سؤال أعمق: هل يمكن تحقيق عدالة انتقالية حقيقية من دون إعادة الحقوق إلى أصحابها؟