تشهد الليرة السورية خلال الأيام الأخيرة موجة تراجع متسارعة أمام الدولار في السوق المحلية ما أثار حالة واسعة من القلق بين المواطنين والتجار على حد سواء، ومع كل مستوى جديد يبلغه سعر الصرف تتزايد المخاوف من فقدان العملة المحلية، مزيداً من قيمتها الأمر الذي يدفع شرائح كثيرة من المدخرين وأصحاب الأعمال إلى البحث عن ملاذات أكثر أماناً لحماية أموالهم.
ويرى عبد الرحمن محمد أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة في تصريح ل”الوطن” أن ما يجري لا يمكن اختزاله بمجرد حالة نفسية عابرة، بل يندرج ضمن ما يعرف أكاديمياً بجنون التوقعات التكيفية وفرار رأس المال الوقائي، حيث يتحول الخوف من تراجع قيمة العملة إلى سلوك اقتصادي جماعي يدفع الأفراد إلى استبدال مدخراتهم بالدولار أو الاحتفاظ بالبضائع بدلاً من الاحتفاظ بالليرة.
وأشار إلى أن هذا السلوك يعد في نظر الكثيرين قراراً عقلانياً في ظل توقعات باستمرار تراجع قيمة العملة، فالشخص الذي يتوقع خسارة نسبة كبيرة من القوة الشرائية لليرة خلال فترة قصيرة يجد أن التحول إلى الدولار يمثل وسيلة لحماية مدخراته من التآكل، كما أن التجار يفضلون الاحتفاظ بالمخزون أو العملات الأجنبية لتجنب الخسائر المحتملة.

وأضاف: إن هذه التوقعات لا تنشأ من فراغ، بل تستند إلى تجارب سابقة عاشها السوريون خلال السنوات الماضية، حيث تكبد من احتفظ بمدخراته بالليرة خسائر كبيرة، بينما تمكن من لجأ إلى الدولار من الحفاظ على قيمة أمواله، الأمر الذي عزز القناعة الجماعية بأن العملة الأجنبية هي الملاذ الأكثر أماناً.
لكن محمد أكد أن تحميل العامل النفسي وحده مسؤولية التراجع يعد تبسيطاً للمشكلة، إذ إن استمرار تأثير هذا العامل يعكس في جوهره ضعف أدوات السياسة النقدية وعدم قدرة المصرف المركزي على تبديد المخاوف وإعادة الثقة إلى السوق عبر تدخلات فاعلة وواضحة.
وفي ظل هذه المعطيات يبقى العامل النفسي قوة مؤثرة في حركة سعر الصرف، لكنه ليس السبب الوحيد، فالثقة بالعملة الوطنية ترتبط بقدرة السياسات الاقتصادية والنقدية على توفير الاستقرار، وعندما تغيب هذه الثقة تتحول التوقعات السلبية إلى واقع ينعكس مباشرة على قيمة العملة ومستوى الأسعار في الأسواق.








