سوريا تدين استهداف أراضي البحرين والكويت والأردن بطائرات وصواريخ مصدرها إيران وتؤكد أنّ أمن واستقرار الدول العربية جزء لا يتجزأ من أمن واستقرار المنطقة ككل

البعثات الدبلوماسية والقنصلية الإفريقية في سوريا تحتفل بيوم إفريقيا

وزير الزراعة يبحث مع سفير الإمارات التعاون وفرص الاستثمار الزراعي

إنذار بإخلاء مدينة صور اللبنانية وسط نزوح كثيف وسقوط ضحايا

عاجل – مقر خاتم الأنبياء الإيراني يعلن وقف الهجمات على إسرائــيل

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

بين متاهة الاستبدال وبنية اللا ثقة.. أين تقف الليرة؟

‫شارك على:‬
20

تشكل عمليات استبدال العملة إحدى أدوات السياسة النقدية الدقيقة التي تعكس مدى قدرة المصرف المركزي على إدارة تحول هيكلي في كتلة نقدية بأكملها.

وفي ظل الوضع الاقتصادي السوري الذي يعاني من تشوهات متراكمة وانقسام في مسارات التسعير بين السوقين الرسمي والموازي، فإن عملية الاستبدال الحالية لم تكن مجرد إجراء فني، بل اختباراً لثقة المواطن في أدوات النظام المالي، ولقدرة السلطات النقدية على ترويض التوقعات التضخمية، يرى أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماه، الدكتور عبد الرحمن محمد، أن تصريحات حاكم مصرف سوريا المركزي، حول سير العملية، ومدد السحب، وضمان الحقوق، تضعنا أمام سؤال أكاديمي جوهري يتمثل في معرفة إلى أي مدى يمكن للوعود المؤسسية أن تنجح في فصل مصير العملة الوطنية عن سلوك الأسواق الموازية وعن مخاوف المكتنزين.

لغز الكتلة الهاربة والمعضلة النفسية للمكتنزين

يوضح  محمد أن هناك علاقة معقدة بين معدلات استبدال العملة وسعر الصرف الموازي، حيث لا يمكن قراءة التزامن المشار إليه كعلاقة سببية خطية مباشرة، لكن يمكن تفسيره من زوايا متعددة، إذ إن نسبة الاستبدال البالغة 66٪ تعني ببساطة بقاء نحو 34٪ من الكتلة النقدية القديمة، والتي تقدر قيمتها الاسمية بمئات المليارات من الليرات السورية، خارج المنظومة المصرفية الرسمية، لتظل هذه الكتلة إما مدخرة أو متداولة في فضاءات موازية.

ومع اقتراب مهلة 30 تموز المرتبطة بفقدان القيمة الإبرائية، يواجه المكتنزون معضلة زمنية نفسية حادة تتأرجح بين خيار الدخول إلى القنوات المصرفية الرسمية، مع ما يرافقها من تدقيق وضرائب محتملة وشفافية مكروهة لديهم، أو خيار التحوط عبر التحول السريع إلى العملات الأجنبية أو السلع الحقيقية.

ويرى أن هذا السلوك التحوطي يتسبب في الضغط على سعر الصرف الموازي صعوداً، لا سيما في أسواق غير رسمية تعاني أساساً من شح المعروض من القطع الأجنبي الحقيقي الناتج عن تحويلات المغتربين والتصدير الموازي، ومن المنطقي اقتصادياً أن تكون الفترة الفاصلة بين الإعلان عن مهلة الاستبدال وتاريخ فقدان الصفة الإبرائية هي فترة ذروة ضغط تحوطي تترجم نفسها مباشرة إلى قفزات سعرية متتالية.

وبناء على ذلك اعتبر أستاذ الاقتصاد إن ما نراه اليوم في الأسواق هو انعكاس دقيق لسلوك عقلاني من جهات فاعلة كثيرة تخشى أن تؤدي الإجراءات المصرفية إلى كشف حجم أموالها الحقيقي أو تجميدها أو فرض شروط معقدة عليها، وليس مجرد نزوة تضخمية عابرة وغير مفسرة، فالوقت المتبقي يشكل ضغطاً نفسياً يعزز الطلب على الملاذات الآمنة، مدفوعاً بحالة عدم يقين حقيقية بشأن قيمة العملة الجديدة واستقرارها مستقبلاً، تزامناً مع ضعف الثقة المزمن في أدوات النظام المصرفي ككل.

فك الاشتباك بين الصفة الإبرائية وحق الاستبدال

وفي الإجابة عن التساؤل المثار حول وجود تناقض بين فترة السحب وفقدان القيمة الإبرائية، يؤكد محمد أن القراءة الأكاديمية لا تناقض حقيقياً في البيانين، بل هناك تمييز دقيق بين وظيفتين أساسيتين للعملة، ترتبط الوظيفة الأولى بالقيمة الإبرائية بوصفها الوسيط القانوني للتبادل، وبموجبها لا يمكن استخدام الأوراق النقدية القديمة في سداد الديون أو شراء السلع من المتاجر أو دفع الرواتب بعد مهلة 30 تموز، وهو ما يعني إسقاط الصفة القانونية عنها كوسيلة دفع مقبولة في التداولات اليومية.

أما الوظيفة الثانية فتتمثل في حق الاستبدال الذي يعد بمثابة مطالبة مالية تجاه المصرف المركزي، وهنا تبقى القيمة الاقتصادية للأوراق القديمة محفوظة تماماً لمدة خمس سنوات، ولكن بشرط التوجه إلى المصرف المركزي نفسه، أو عبر آلياته التي سيعلن عنها لاحقاً، لاستبدالها بأوراق جديدة.

وتأسيساً على هذا الفصل، أوضح محمد إن المركزي يسعى منطقياً لدفع المواطنين نحو أمرين متوازيين، أولهما الإسراع بالاستبدال قبل تموز لتجنب فقدان القدرة على استخدام النقود كأداة دفع يومية بما يخدم استقرار المعاملات التجارية، وثانيهما طمأنتهم بأن من يفوتهم الموعد لن يخسر أمواله بل سيواجه مجرد إجراءات أكثر تعقيداً وإبطاء في السيولة.

غير أن المشكلة الحقيقية هنا حسب أستاذ الاقتصاد لا تكمن في التناقض المنطقي، بل في انعدام شفافية آلية السحب الممتدة لخمس سنوات، فالمواطن العادي يسمع عن انتهاء المهلة وفقدان الإبرائية دون أن يدرك بوضوح كيف سيسحب أمواله لاحقاً، ما يضاعف منسوب الخوف والاندفاع العشوائي نحو الأسواق الموازية.

عجز الدبلوماسية التصريحية

يرى محمد أنه من منظور علم الاقتصاد النقدي، يظهر بوضوح أن التوقعات التضخمية عندما تصبح مستقلة عن الأساسيات الاقتصادي الحقيقية من كتلة نقدية وإنتاج واحتياطيات، فإنها تدخل فوراً في حالة جمود تكيفي لا يمكن كسر حركتها بالخطابات والتصريحات وحدهما، وما يحدث في الأسواق السورية حالياً يبرهن على أن التجار يستبقون أسوأ السيناريوهات المحتملة من انهيار إضافي وفوضى استبدال وعجز المركزي عن الوفاء ليقوموا بتسعيرها فوراً، في حين تحاول تصريحات الحاكم جاهدة إقناعهم بسيناريو متفائل يقوم على الاستقرار والكفاءة والشفافية.

ومن الناحية الأكاديمية يوضح محمد أنه يتطلب كسر حلقة الاحتكار والتوقعات السوداوية تفعيل ثلاث أدوات قياسية متكاملة، تبدأ بتوفير السيولة الحقيقية بالقطع الأجنبي عبر التدخل المباشر في السوق الموازي وضخ كميات كافية من الدولار بأسعار تقترب من سعر التوازن الفعلي بعيداً عن سعر الصرف الرسمي غير الواقعي، وإلا فستبقى التسعيرات مضاربية.

وقال: تتمثل الأداة الثانية في ربط العملة الجديدة بآلية تصعيدية واضحة كصيغة سلة عملات أو مؤشر تضخم يعطي إشارة قوية للاقتصاد بأن قيمتها لن تذوب بين ليلة وضحاها.

وتكتمل هذه المنظومة بالأداة الثالثة عبر اتخاذ إجراءات ميدانية حازمة تجاه محتكري السلع الأساسية كالغذاء والدواء والوقود من خلال تسريح البضائع المكدسة وربط الدعم بالهوية الرقمية المرتبطة بالعملة الجديدة، كآلية عملية لخفض التوقعات التضخمية فوراً عبر زيادة العرض، وليس كوعي أخلاقي مجرد. بناء على ذلك، ويتضح تماماً أن دبلوماسية الشفافية وحدها لا تكفي، وأن الاقتصاد السوري يقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم، فإما أن يتحول المركزي إلى جهة فاعلة تدخلية تكسر الاحتكارات وتمارس سياسة نقدية تتصدى للتوقعات بشكل جذري، أو أن تظل عملية الاستبدال مجرد إجراء شكلي لا يلامس جذور أزمة الثقة، لتستمر الأسواق في تسيير أعمالها بمنطق أسوأ الاحتمالات مهما كانت التصريحات الرسمية هادئة.

وينتهي رأي الأكاديمي إلى خلاصة مفادها أن عملية استبدال العملة في سورية تعكس حالة نقدية كلاسيكية من فخ اللامصداقية المؤسسية، حيث يقوم المركزي بتطبيق آليات سليمة من الناحية الفنية تشمل المهل وفترات السحب والشفافية التصريحية، لكنه يعجز عن ترجمة ذلك إلى استقرار أسعار حقيقي على أرض الواقع، نظراً لأن جذور التضخم والتوقعات السوداوية ليست نقدية بحتة، بل هي مركبة المعالم وتتغذى على انهيار الاحتيـاطيات وشلل آليات التدخل، فضلاً عن الخوف الواسع من الإجراءات المصرفية التي قد تكشف الحسابات الكبيرة أو تعرضها للمساءلة المالية.

وختم محمد بالقول: إن بقاء ثلث الكتلة النقدية تقريباً خارج المنظومة الرسمية مع اقتراب المهلة يمثل تصويتاً ضمنياً بعدم الثقة وليس مجرد فشل في التواصل، ولن تستعيد الليرة السورية استقرارها المنشود إلا إذا انتقلت السياسة النقدية جذرياً من مرحلة الوعود والإجراءات الآمنة إلى مرحلة الأفعال الميدانية الجريئة التي تكسر حلقات الاحتكار وتجبر الأسواق على التسعير بناءً على معطيات السيولة الحقيقية لا على أسوأ التوقعات، ومن دون ذلك، ستبقى الفجوة بين المركزي والأسواق قائمة، وستكون عملية الاستبدال مجرد حلقة جديدة في مسلسل التآكل المستمر لقيمة العملة الوطنية وثقة المواطن بها