مصادر في وزارة الدفاع تنفي لـ “الوطن” تحليق طائرات حربية للجيش العربي السوري

الرئيس الشرع يستقبل المبعوث الأميركي توماس باراك في قصر الشعب ويبحث معه مستجدات الأوضاع في سوريا والمنطقة

قوات الاحتلال الإسرائيلي تنصب حاجز وتفتش المارة على طريق الأصبح _ مزرعة الفتيان جنوبي القنيطرة

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

باللوجستيات الخضر.. طرطوس تعيد تعريف دورها على خريطة التجارة

‫شارك على:‬
20

لا يمكن اختزال مشروع إعادة تأهيل رصيف الفوسفات في مرفأ طرطوس، الذي أعلنت عنه الهيئة العامة للمنافذ والجمارك على لسان مدير علاقاتها مازن علوش، في كونه عملية ترميم رصيف قديم أو تحديث لآلات صدئة فحسب، بل إنه في جوهره، إعادة تعريف للدور الاقتصادي السوري على خريطة التجارة العالمية، ومحاولة جادة لاسترداد حصة سوقية ضائعة في واحد من أهم القطاعات الحيوية التي طالما شكلت شرياناً مالياً للخزينة العامة، كما أنها نقلة نوعية من “التصدير البدائي” إلى اللوجستيات المتكاملة، وهي نقلة تحمل في طياتها آثاراً اقتصادية مضاعفة تستحق التحليل.

كسر معادلة التكلفة الخفية

يشير الخبراء إلى أنه طالما عانى الاقتصاد السوري مما يعرف بـ”التكلفة الخفية” للموانئ غير المؤهلة فعندما تكون عملية تصدير الفوسفات، أو أي مادة سائبة أخرى، بدائية، فإن الخسارة لا تكمن فقط في تكلفة الشحن المباشرة، بل في سلسلة من التكاليف غير المنظورة منها غرامات التأخير، وارتفاع أقساط التأمين البحري، وانخفاض جودة المنتج أثناء المناولة، والأهم، الخسارة البيئية التي تترجم لاحقاً إلى تكاليف صحية وتعويضات.

ونوه بأن خطة التأهيل، بما تتضمنه من أعمال هندسية متقدمة وأنظمة نقل مغلقة، تستهدف بشكل مباشر خفض هذه التكلفة الكلية، فعندما يتحول الرصيف إلى منشأة حديثة بمعدات تحميل سريعة وأنظمة أتمتة، فإن زمن بقاء السفينة في الميناء ينخفض، ما يرفع تصنيف المرفأ في أدلة الشحن العالمية ويجذب خطوطاً ملاحية كبرى كانت تتجنب سوريا بسبب بيروقراطية الموانئ وتعطل المعدات.

البيئة كأصل اقتصادي وليس كرفاهية

ربما يكون الجانب الأكثر إبداعاً في التصريحات هو الربط الصريح بين الاستثمار في البيئة وتعزيز الصادرات، فالمنظومات الحديثة للحد من الانبعاثات والغبار ليست مجرد استجابة لضغوط محلية، بل هي “وثيقة اعتماد” للأسواق العالمية، فالأسواق الأوروبية والآسيوية المتقدمة تفرض اليوم معايير بصمة كربونية واشتراطات بيئية صارمة على كامل سلسلة التوريد.

يشير الخبراء إلى أن وجود رصيف يدار بمعايير خضر، مزود بأنظمة رش وتثبيت للغبار، يمنح الفوسفات السوري ميزة تنافسية غير سعرية، ويخرجه من التصنيفات عالية المخاطر بيئياً، وهذا الاستثمار البيئي يترجم مباشرة إلى علاوة سعرية وإلى أفضلية في العقود طويلة الأجل مع المشترين الذين يتبنون معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية (ESG)،  بعبارة أخرى، البيئة هنا ليست ترفاً، بل أصل رأسمالي وركيزة لتسويق المنتج الوطني في أسواق الغد.

الأثر المضاعف

يرى مختصون أن الأثر الاقتصادي لهذا المشروع يمتد عبر سلسلة القيمة بأكملها، فتحسين كفاءة رصيف طرطوس لا يخدم الفوسفات فحسب، بل هو رسالة طمأنة للمستثمرين في قطاع المناجم والمحاجر، وعندما يعلم المنتج أن مرفأ التصدير قادر على استقبال كميات كبيرة ومناولتها بسلاسة ودون توقف، يصبح الاستثمار في زيادة الطاقة الإنتاجية للمنجم مجدياً، وهذا يخلق حلقة إيجابية فرصيف مؤهل يحفز الاستثمار في الإنتاج، وزيادة الإنتاج تبرر المزيد من التطوير في البنية التحتية للميناء، وهذا بالضبط ما يعنيه تحويل طرطوس إلى مركز لوجستي إقليمي، أي نقطة جذب ليس فقط للمواد الخام السورية، بل لدول الجوار التي قد تفضل التصدير عبر الموانئ السورية إن توفرت البنية التحتية المناسبة والسرعة والكفاءة، ما يحول المرفأ إلى مركز عبور يدر إيرادات إضافية.

نحو التفريغ الذكي

أما الإعلان الموازي عن ميناء جديد متكامل للمواد الملوثة، فيتوقع الخبراء أنه اعتراف ضمني بأحد أهم مبادئ الاقتصاد المينائي الحديث “التفريغ الذكي”، وعزل المواد ذات الأثر البيئي عن باقي عمليات المرفأ ليس مجرد إجراء حماية، بل وهو تحسين جذري للكفاءة التشغيلية للميناء القديم، إذ إنه يحرر الأرصفة التجارية من الازدحام، ويمنع اختلاط العمليات، ويخلق بيئتين متخصصتين واحدة للبضائع العامة والحاويات وأخرى للمواد السائبة.

ويعتبرون أن هذا التخصص يرفع إنتاجية المرفأ ككل، ويمنحه مرونة لاستيعاب سفن أكبر، ويختصر زمن الشاحنات، ويقلل من تكلفة الفرصة البديلة الناجمة عن إشغال الأرصفة بمواد بطيئة المناولة مثل الكلينكر والفوسفات.

ختاماً، إن إعادة تأهيل رصيف الفوسفات في طرطوس، بهذا المفهوم الشامل، ليست مجرد مشروع خدمي، بل هي سياسة اقتصادية متكاملة في مشهد واحد، وهي سياسة تقول إنه لا تنمية دون بنية تحتية كفؤة، ولا صادرات دون معايير عالمية، ولا إيرادات سيادية دون استثمار ذكي في الخدمات اللوجستية، ففي عالم يتجه نحو سلاسل إمداد أقصر وأكثر مراعاة للبيئة، قد تكون هذه اللحظة هي الفرصة الذهبية لسوريا لكي لا تصبح مجرد مصدر للمواد الخام، بل شريكاً موثوقاً في التجارة الدولية. والرهان الآن على التنفيذ الصارم والدقيق، لأن الأرصفة التي تنتظر السفن هي نفسها التي تنتظر عودة عجلة الاقتصاد للدوران.

الوطن ـ أسرة التحرير