مع تسلّم محمد صفوت رسلان مهامه على رأس مصرف سوريا المركزي تتجه الأنظار إلى واحدة من أكثر المؤسسات حساسية وتأثيراً في المشهد الاقتصادي السوري في مرحلة تواجه فيها البلاد تحدّيات نقدية ومالية غير مسبوقة تراكمت خلال سنوات طويلة من الأزمات والتقلّبات الاقتصادية، فالمصرف المركزي اليوم لا يقف فقط أمام مهمة إدارة السياسة النقدية التقليدية، بل أمام اختبار حقيقي يتعلّق بإعادة بناء الثقة بالليرة السورية وضبط الأسواق واحتواء التضخّم وإيجاد مقاربات واقعية تعيد التوازن إلى الحياة الاقتصادية والمعيشية.
ويرى الباحث الاقتصادي الدكتور مصعب الشبيب أن الحاكم الجديد يواجه تركة ثقيلة تتداخل فيها الملفّات النقدية مع الأوضاع المعيشية والاستثمارية، بدءاً من اضطراب سعر الصرف واتساع نشاط السوق السوداء، مروراً بأزمة السيولة النقدية وتعدّد العملات المتداولة في بعض المناطق السورية، وصولاً إلى حالة الضبابية التي تحيط بالسياسات النقدية وانعكاساتها على بيئة الأعمال والاستثمارات.
وإن أولويات المرحلة الحالية تتطلب من مصرف سوريا المركزي الانتقال من سياسة ردود الأفعال والإجراءات المؤقتة إلى بناء رؤية نقدية واضحة ومستقرة قادرة على طمأنة الأسواق والمواطنين والمستثمرين في آن واحد، وخاصة أن أي تحسّن اقتصادي فعلي لن يكون ممكناً من دون وجود استقرار نقدي وشفافية في القرارات المالية والمصرفية.

ويعتبر الشبيب أن ملف التضخّم سيكون في مقدّمة الأولويات، وخاصة بعد عودة معدّلاته إلى الارتفاع خلال الأشهر الأخيرة بشكل انعكس مباشرة على الأسعار والقدرة الشرائية للمواطنين رغم محاولات الضبط السابقة، كما يلفت إلى أن استمرار التفاوت الكبير بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية يزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي ويؤثر في الحوالات والأسواق وحركة التجارة اليومية.
وبحسب الباحث، فإن من بين الملفات العاجلة أيضاً تسريع استبدال العملة، وخاصة في ظل استمرار التداول بأربع عملات مختلفة في بعض مناطق الشمال السوري، الليرة القديمة والليرة الجديدة والليرة التركية والدولار، وهو ما يخلق حالة من الفوضى النقدية ويزيد من الأعباء اليومية على المواطنين والتجّار
وأن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً للانتقال بالسياسة النقدية السورية من مرحلة إدارة الأزمات اليومية إلى مرحلة بناء الاستقرار التدريجي واستعادة الثقة، فالسوق السورية اليوم لا تحتاج فقط إلى إجراءات مصرفية بل إلى رؤية اقتصادية متكاملة تعيد التوازن بين الاستقرار النقدي وتحريك عجلة الاقتصاد والإنتاج.
وفي المحصلة يتضح أن نجاح الحاكم الجديد لن يقاس فقط بقدرته على ضبط سعر الصرف أو احتواء التضخّم، وإنما بمدى نجاحه في إعادة الثقة للمواطن السوري أولاً وللمستثمرين ثانياً عبر خلق بيئة مالية أكثر وضوحاً واستقراراً وقابلة للتنبؤ، فالمستثمر سواء كان سورياً أم خارجياً لن يدخل السوق ما لم يشعر بوجود سياسة نقدية مستقرّة ومؤسسات قادرة على إدارة التحولات الاقتصادية بواقعية وشفافية.








