يشبه مسرح الحمراء، اليوم، منزل سيّدة سورية بدأت موسم “التعزّيل”، إذ بدأ مدير مديرة المسارح والموسيقا نوار بلبل بإعادة ترميمه، بمساعدة المتبرعين من أصدقائه التّجار، وقال لـ”الوطن”: “استلمت مديرية المسارح في التاسع عشر من تشرين الثاني الماضي، وكانت كلّها خراب ودمار وإهمال، إضافة إلى أن المسرح يشبه أي مؤسسة، لكن لم أتوقع أن يكون بهذه الدّرجة من الهلاك والسّوء، وبدأت أفكّر بكيفية ترميمه، والتّرميم يعني ميزانية، وأنا أخجل أن أطلب ميزانية من الدّولة أو من وزارة الثّقافة بوجود مستشفى مدمّر وعائلات في المخيمات، فالمسرح مهمّ جدّاً، لكن هناك أمور مهمّة أخرى، لذلك كان الخيار الاعتماد على الدّعم، وبدأت المبادرات من خلال أصدقائي التّجار الذين معهم أموال أكثر منّي بقليل، فأنا دفعت من مالي الخاصّ حتّى الآن أكثر من 1600 دولار، وعدد أصدقائي لا يتجاوز العشرة، لكن كلّ شخص قدّم استطاعته، كأن يتكفل أحدهم بتغطية ربع أو نصف تكاليف إحدى الورشات، وهناك شخص فور علمه بالأمر قال “أبشر” ثمّ غاب”.
وبالسّؤال عن الورشات وعن المدّة الزّمنية لانتهاء أعمال التّرميم، أوضّح بلبل: “الورشات التي تعمل خاصّة، لدينا متعهّد استلم أكثر من ملف وليس لدينا أي أحد قدّم شيئاً من المديرية أو المسرح، البعض يأتي يتفرّج وينظّر علينا.. والعمل الآن على قدم وساق، لكن العائق المادي فقط هو ما يقف أمامنا، لو كان معي ميزانية جيّدة لأتيت بعمال أكثر، اليوم أتت شركة دهانات وقالت: إنها من الممكن أن تتكفل بأمر الدّهان، أمّا بالنّسبة لانتهاء التّرميم فليس قبل شهرين”.
وعند سؤاله عمّا إذا كان قد طلب من الفنانين تقديم العون من باب حبّهم للمسرح كما يجاهرون دائماً، أجاب بلبل: “الفنانون الذين أعرفهم ويمكنهم مساعدتي لا يملكون المال، ومن معهم المال ربّما لا يهمهم الأمر كثيراً، لكن لابدّ من الذّكر إنّ كثيراً من الزّملاء الذين لا يجدوني في المديرية، ويأتون إلى المسرح لكي أوقّع لهم طلبات التقاعد أو غيره، كانوا فور مشاهدتهم لنا ونحن نعمل، يشمّرون عن أيديهم ويساعدونا، ومنهم زميلتنا رنا جمّول التي تركت أوراق التقاعد التي في يدها، وبدأت بنقل الأغراض”.
أمّا الهدف الأعلى من ترميم المسرح، فبيّن بلبل: “هو بداية إقلاع الموسم المسرحي بعد افتتاح المسرح، فالموسم المسرحي لن يتوقف، واليوم بالتّوازي مع التّرميم هناك عروض تُقدّم إلينا، ونطلب منها العمل لكي تكون جاهزة بعد الافتتاح، نريد أن يغلي المكان بالعمل والبروفات، بحيث يأتي فور انتهاء أي عرض عرض آخر، والحلم هو أن يصبح مسرحا “الحمراء” و”القبّاني” خلية نحل، والهدف الأعلى الثّاني هو التّحضير لمهرجان دمشق المسرحي الدّولي الأوّل، وسنعمل على دعوة عروض عربية ودولية ومن كلّ القارات، أنا شاركت بمهرجانات عربية خاصّة، وهي كذبة كبيرة لأنّها قائمة على تبادل العزائم، وكنت أسمّيها عروض دول، فالدّولة هي التي تختار العرض، مع العلم أنّ عروض خاصة كثيرة كانت أفضل من عروض الدول هذه، لكنّها لا تأخذ حقّها، وهذا الأمر موجود منذ عام 1998.. نحن بحاجة إلى من يؤمن بالمسرح وبالأفكار التي سنقولها لاحقاً، يعني أنا أريد إعادة “قهوة المسرح” أو “كافيه المسرح”، ليس فقط من أجل شرب القهوة والشّاي، بل من أجل إعادة طقس المسرح، وإعادة الحوار والنّقاش بيننا، وأنا أؤمن بأنّ المسرح يكاد يكون المكان الوحيد الذي يجمع كلّ السّوريين، وهذا ما أحاول قوله وفعله وخلقه، ربّما أفشل وربّما أنجح، لكن يكفي شرف المحاولة”.
بعد ترميم مسارح “الحمراء” و”القباني” و”العرائس”، سينتقل نوّار بلبل إلى بقية المحافظات الأخرى، وكشف: “عندما يقلع موسم المسرح في دمشق، سيعود الجمهور والمسرحيون إلى شغفهم، اليوم لدينا عروض كثيرة بدأت البروفات، ومن لديه إيمان بالعمل المسرحي يعمل مهما كانت الظّروف، زارني أشخاص تشغلهم المكافآت فقط، نحن نريد صنّاع مسرح حقيقيين، والمسرح للجميع، والجمهور هو الحكم”.
وهنا أيضاً سألناه عمّا إذا تواصل مع الفنّانين من أجل العمل على عروض قادمة، فقال بلبل: “لا أقول لأم: “أرضعي طفلك”، فهذا واجبها وإيمانها، وهذه صلة الوصل بينها وبين رضيعها، ومع ذلك أنا حزنت عندما قلت من باب الصّداقة والزّمالة للبعض أن يشتغل ولم يتجاوب”.
وبالسّؤال عن سقف الحرية في العروض، أجاب بلبل: “فتحت السّقف، لكن شرط الابتعاد عن الطّائفية والعنصرية وازدراء الأديان، وهذه شروط مهرجان “أفنيون” بفرنسا، الذي شاركت بأربع دورات منه، وهذه شروطه التي أطبّقها هنا.
بالنّسبة إليّ فليتحدث المسرحي ما يشاء لكن أمام الجمهور، وبالمناسبة صار لدينا تجربتان وفق الصّيغة التي أسستها ولأجل المصادفة، أتى مخرج وقال: إنّ لديه تراكماً مسرحياً كبيراً، وفي أثناء البروفات التي استمرت شهراً تقريباً، حضرنا “البروفا الجنرال”، وكانوا قد أنجزوا الكثير منها، ومع ذلك حصل العرض على درجتين من عشر فقط، لأنّه يريد “اللقلقة للحكومة”، وكلّه طائفية وعنصرية وتنمّر، وكنت أنا أوّل من وضع الصّفر له، وبالمقابل تقدّم عرض آخر اشتغله شباب وصبايا، وفيه انتقاد هائل للحكومة، وحصل على ثماني درجات من عشر، وفي النّهاية المسرح للجميع.. جمهوراً وفنانين.. فتعالوا نشعله مرّة أخرى.. تعالوا نتشاجر في المسرح لا في الشّارع”.
المصلحة العامة
وبسؤاله عن آلية عمل الورشات وعددها وعدد عمّالها، أوضّح مدير الإنتاج يزن كلثوم: “المسرح متآكل جداً، أخرجنا من المستودعات ديكورات عروضاً لها عشرون عاماً.. الحديد والخشب متآكلان، لذا انطلقت الفكرة مع نوّار، ولكي نتفادى التّكاليف العالية، استعنا بخبرات من السّعودية و”إم بي سي” وخبرات من فرنسا، واعتمدنا فكرة إعادة التّدوير، وجلبنا الورشات والنّجارين والحدّادين وورشات الصّحية والكهرباء، هناك هدر بالكهرباء، صالة المسرح يكفيها 75 “سبوت”، لكن يوجد فيها 150، وأجهزة التّكييف تالفة.. كورشات الحدّ المنطقي لها شهران وينتهي العمل، كلّ شيء يمكن إعادة تدويره، لكن مع إضافة بعض المواد… اليوم شارفت ورشة الصّحية على الانتهاء، وبعدها ورشة الحدادة من أجل إنشاء غرف وتثبيت الخشب ونعيد التّصنيع من ثمّ الكهرباء، وكلّ ورشة يصل عدد عمّالها إلى السّتة أشخاص.. لدينا عمليات جراحية، وحسب التّبرع نشتغل.
نوّار وعلى تكلفته الخاصة أصلح ورشة النّجارة التي كانت متوقّفة كلّها”.
بدورها، قالت نسرين العبد لله مدير مسرح الحمراء إن العمل جارٍ على قدم وساق وإنّ الجميع يعمل بجدّ وحرص على المصلحة العامّة.
الوطن ـ نجوى صليبه






