في أحياء العاصمة السورية دمشق، ما زالت الحرف التراثية تحافظ على نبضها رغم تعاقب السنوات والأزمات الاقتصادية، لتظل نافذة على الماضي وهوية إنسانية متوارثة.
لكن هذه المهن العريقة، التي طالما جسّدت جماليات الثقافة السورية، تواجه اليوم مخاطر حقيقية تهدّد استمراريتها، في ظل تحوّل بعضها إلى أشكال تجارية استهلاكية جرّدتها من مضمونها الأصيل.
وعلى الرغم من أن ذاكرة التراث السوري لا تزال تعج بمئات المهن التقليدية التي تروي قصص الأجداد، إلا أن هذه الحرف باتت تعاني عدة تحدّيات، أبرزها التحوّلات الصناعية والاقتصادية المتسارعة، وكذلك تغيّر أنماط الاستهلاك لدى المجتمع، إضافةً لإعراض أجيال الشباب عنها بحثاً عن مداخيل مادية أسرع وأكبر.

وفي هذا السياق، أكد الحرفي محمد حاج قاب لـ”الوطن” أن مسؤولية الحفاظ على هذه المهن تتجاوز الجهد الفردي إلى عمل مجتمعي متكامل، وأنه ليس كل أمر يقاس بجدواه المادية، بل نحن أمام مسؤولية مجتمعية لنقل تاريخنا وحضارتنا لمن يأتون بعدنا.
وشدّد حاج قاب الذي يعمل في الزخرفة والعجمي الدمشقي على أن إنقاذ الحرف التراثية يختصر بالدعم اللوجسيتي من خلال الدولة، والدعم الأهلي عبر الحفاظ على التراث، مضيفاً: إن على الحرفي أن يواكب التطور اللوني والفني بالإبداع ضمن مساحات حديثة بطريقة لا تفقد العمل رونقه وأصالته.
وانتقد حاج قاب بشدة المناهج التعليمية السورية، قائلاً: “كلية الهندسة المعمارية في دمشق على سبيل المثال تُعلّم الطلبة العمارة الغربية وتهمل ثقافتنا العربية العريقة، صحيح أن العمارة الأوروبية مهمة ولها حضورها، ولكن لماذا لا نكون السبّاقين بتعليم أجيالنا عمارتنا العربية؟”.
وأشار إلى أن السوق اليوم تطلب اللوحات والمجسّمات الصغيرة، مشدّداً على أن حضارة الشعوب تظهر من خلال فنها، كما لفت إلى تراجع دور المرأة في الحرف التراثية، قائلاً: “السيدات قديماً كن يعملن في العديد من المهن، أما اليوم فمعظم ربّات البيوت انكفأن وتفرغن لـ”السوشيل ميديا”، ما ساهم في ضعف الوعي بالفن المحلي.
وطالب حاج قاب الجهات المعنية بدمج المهن التراثية في المناهج التعليمية الأساسية، وتخفيف الضرائب والرسوم عن محال بيع المنتجات التراثية والشعبية، ودعم الفنّان والحرفي من مؤسسات الدولة، وكشف أن ما يُشاع عن تقديم النقابة الحرفية لتسهيلات ودعم للحرفيين غير موجود على أرض الواقع، ومجرد كلام فقط.
من جهته، وصف “شيخ كار” صناعة العود الدمشقي، بشار الحلبي، المعادلة التي يواجهها الحرفيون بالصعبة، موضحاً أن تحقيق التوازن بين المهنة الأصيلة والدخل المجزي يمثّل تحدّياً حقيقياً.
وقال: “يمكننا إنتاج العود التجاري والعود التراثي الأصيل، لكن الأخير يستهلك وقتاً وجهداً كبيرين، وبالتالي فإن سعره يكون مرتفعاً، وفي المقابل، فإن التجاري بسيط ومصنوع على عجل، وقد يُستغنى فيه عن بعض المواد.
وأضاف: إنه لا يمكن إنتاج ما يُرضي الطرفين في آن واحد، فهناك من يفضّل القطعة التجارية، وهناك من يفضل الأصلية، وبالتالي فإنها معادلة معقدة.
وأوضح أن كل مادة تدخل في صناعة العود تترك أثراً معيناً في جودة الصوت، مشيراً إلى أن المتعمقين في القطع الدمشقية الأصيلة قلّة بسبب الواقع الاقتصادي الصعب، مشيراً إلى أن متطلبات مهنة العود الدمشقي مكلفة ومتعبة، وهذا ينطبق على كثير من الحرف اليدوية كالصدف والزجاج والفخار والنسيج والموزاييك وغيرها.
كما كشف لؤي شكو، مدير “حاضنة دمر للحرف” عن أزمة حادة تعانيها المهن التراثية والتقليدية في سوريا، والتي تفتقر منذ عقدين إلى الأيدي الماهرة، محذّراً من أن العديد من هذه الحرف أصبحت مهددة بالاندثار والزوال.
ولفت شكو إلى أن المنتوجات التراثية تشكل محط شغف عالمياً كبيراً، مشدداً على أن استعادة ألقها يتطلب البدء من قطاع التدريس ثم الحواضن الحرفية.
وأضاف: “لا بد من الحفاظ على من تبقى من شيوخ كار وأرباب هذه الحرف، وتشجيعهم على مواصلة العطاء والتدريب، وتوفير العمالة الماهرة لهم”.
وأوضح أن الأرقام لا تبشر بالخير، حيث عدد شيوخ الكار الذين يحافظون على هذه المهن أصبح لا يُذكر، ففي حرفة نفخ الزجاج لا يتجاوز عددهم ثلاثة، وفي القيشاني واحد فقط، وفي صناعة السيف الدمشقي اثنان، وكذلك في النول اثنان فقط.
ودعا إلى إقامة مدارس للتدريب الحرفي لضمان استمرار الموروث التراثي السوري، مشيراً إلى ضرورة تقديم الدعم الحكومي لهذه الحرف عبر الإعفاءات الضريبية والقروض من دون فوائد، إضافة إلى تشجيع الشباب على الانخراط في تعلم هذه المهن وتعليمها ونشرها.
كما طالب الجهات الحكومية بالترويج لمنتوجات هذه الحرف والمهن، وإقامة المهرجانات والمعارض، والتشبيك مع المنظمات ودول الجوار، مع ضرورة تفعيل الحواضن الحرفية في جميع المحافظات السورية.
ووصف شكو الحرف التراثية التي خلّفها القدماء بأنها ثروة وطنية تغدق علينا الأموال إذا تم تحسين واقعها وتمكين صانعيها ودعمهم، وفتح المجال لتصدير القطع المصنوعة إلى الخارج.
وفي الختام شدد على ضرورة استحداث هيئة وطنية للتراث مخصصة للحرف السورية التراثية، تتولى تعليم المهن التي توارثها السوريون والتي هي في طريقها إلى الزوال.








