يشير التشريع البريطاني الجديد لتشديد العقوبات على إيران إلى انتقال ملحوظ في مستوى الضغط الذي تمارسه لندن على طهران، ولا سيما في المجالات المالية والتجارية والنقل، في وقت تتصاعد فيه الضغوط الأميركية على الاقتصاد الإيراني.
وبينما لا يمكن اعتبار الخطوة البريطانية انخراطاً عسكرياً مباشراً في الحرب، فإنها تعكس بوضوح استعداد حكومة رئيس الوزراء آندي برنم لاستخدام أدوات اقتصادية ولوجستية أكثر صرامة في التعامل مع إيران.
وتتضمن الإجراءات الجديدة توسيع القيود على وصول الحكومة الإيرانية إلى النظام المالي البريطاني، وإضافة سلع وتقنيات وخدمات إلى قائمة المحظورات التجارية، بما يشمل قطاعات مرتبطة بالطاقة والبرمجيات والمعادن والذهب والشحن والتأمين والخدمات المصرفية.
كما تمنح (الإجراءات) السلطات البريطانية صلاحيات أوسع لاستهداف السفن التي ترى لندن أنها تسهم في البرنامج النووي الإيراني أو في ما تصفه بالسلوك المزعزع للاستقرار، إلى جانب منع الطائرات الإيرانية من الهبوط في بريطانيا، مع استثناءات محددة.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن هذه الخطوة تمثل انتقالاً عند مقارنتها بنهج حكومة رئيس الوزراء السابق كير ستارمر الذي حرص، خلال أزمة مضيق هرمز، على الفصل بين دعم حرية الملاحة وبين الانخراط المباشر في الحرب، رافضاً المشاركة في حصار إيران أو “الانجرار” إلى مواجهة عسكرية أوسع.
أما حكومة برنم، التي تولت السلطة في تموز الماضي، فتبدو أكثر استعداداً لتوسيع أدوات الضغط على طهران، وإن كان من المبكر القول إنها تخلت عن المسار الدبلوماسي أو قررت الدخول في الحرب الأميركية على إيران، فالحكومة الحالية نفسها تؤكد أن التسوية التفاوضية تظل الحل المستدام للملف النووي.
التحرك البريطاني تزامن مع تصعيد أميركي موازٍ، فقد فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على 36 جهة مرتبطة بقطاع الطيران الإيراني، بينها 27 شركة طيران، مستهدفة كذلك شركات ووسطاء في دول أخرى تتهمهم واشنطن بالمساعدة في توفير طائرات ومكونات وتقنيات ذات منشأ أميركي لإيران، كما حذرت المؤسسات المالية الأجنبية من أن تسهيل معاملات كبيرة مع الجهات المستهدفة قد يعرضها للعزل عن النظام المالي الأميركي.
على الضفة المقابلة، فإن تزامن المسارين البريطاني والأميركي بالنسبة لإيران يرفع كلفة الالتفاف على العقوبات ويضغط على قطاعات حيوية، خصوصاً الطيران والتجارة والشحن والتمويل، ولا يقتصر الأثر على تجميد أصول أو منع معاملات بعينها، بل يمتد إلى زيادة مخاطر التعامل مع الشركات الإيرانية، ورفع كلفة التأمين والنقل والاستيراد، وتعقيد حصول طهران على قطع الغيار والتكنولوجيا.
ورغم ذلك، فإن قدرة هذه الإجراءات على إحداث تغيير في السلوك الإيراني ستبقى مرتبطة بمدى استطاعة طهران على إيجاد قنوات بديلة، وبمسار الحرب والمفاوضات، وهنا فإن التطور الأهم ليس العقوبات البريطانية منفردة، بل تقارب الأدوات الغربية المستخدمة ضد إيران، مقابل استمرار لندن في إبقاء نافذة تفاوضية مفتوحة.
أسرة التحرير








