فوز حزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD) في انتخابات ساكسونيا-أنهالت تجاوز، وفق القراءة التحليلية للبعض، حدود الانتصار في ولاية ألمانية.
فالنتيجة، التي قاربت 44 بالمئة من الأصوات، وضعت الحزب اليميني المتطرف على عتبة تشكيل حكومة الولاية، بعدما حصل على 39 مقعداً، مقابل نحو 17.5 بالمئة للاتحاد المسيحي الديمقراطي.
وبذلك، أصبح اليمين المتطرف كما يرى محللون، القوة السياسية الأولى في ولاية ألمانية، فيما تلقى حزب المستشار فريدريش ميرتس ضربة انتخابية قاسية، وهي نتيجة تفتح نقاشاً داخل الحزب المحافظ حول قدرته على استعادة الناخبين الذين يتجهون بصورة متزايدة إلى اليمين.
وتعد المصادر أن المفارقة هنا تكمن في أن ميرتس نفسه تبنى خلال الفترة الماضية مواقف أكثر تشدداً في ملفات الهجرة والأمن، لكن ذلك لم يمنع “البديل من أجل ألمانيا” من تحقيق مكاسب أكبر، ليطرح سؤالاً مهماً أمام المحافظين، هل يمكن منافسة اليمين المتطرف عبر الاقتراب من بعض مواقفه، أم أن ذلك يمنحه مزيداً من المساحة السياسية؟
وبالرغم من أن الفوز الذي حققه “البديل” لا يمكنه من حكم الولاية منفرداً، إذ إنه يحتاج إلى 42 مقعداً للأغلبية المطلقة، لكن المشكلة المستقبلية تكمن في اتساع الفارق الانتخابي، وفي احتمال أن يصبح التعامل مع الحزب أكثر صعوبة إذا واصل تحقيق مثل هذه النتائج.
وتأتي التطورات الألمانية في سياق أوروبي أوسع، فقد حققت الأحزاب اليمينية الشعبوية والمتشددة مكاسب كبيرة خلال السنوات الأخيرة في إيطاليا وفرنسا والنمسا وهولندا، كما دخلت قوى من هذا التيار حكومات أو أصبحت طرفاً مؤثراً في المشهد السياسي في دول أخرى.
كما أن القضية لم تعد مجرد صعود أحزاب جديدة، بل بدأت تؤثر في سياسات الأحزاب التقليدية، فالهجرة، أمن الحدود، الجريمة، الهوية الوطنية والاقتصاد أصبحت ملفات مركزية في المنافسة الانتخابية، ودفعت قوى وسطية ومحافظة إلى تبني سياسات أكثر تشدداً، استجابة لضغوط اليمين الصاعد.
وربما تحمل هذه النتيجة أهمية كبيرة على صعيد القارة الأوروبية، فألمانيا ليست دولة عادية داخل الاتحاد الأوروبي، إذ إن ثقلها السياسي والاقتصادي يجعل أي تحول كبير فيها قابلاً للانعكاس على النقاش الأوروبي، ولا سيما في قضايا الهجرة والأمن والعلاقة مع روسيا ومستقبل التكتل.
ولعل التعبير الفرنسي عن القلق يلخص حساسية الموقف، فقد وصف الوزير الفرنسي المكلف بالشؤون الأوروبية بنجامان حداد فوز اليمين المتطرف بأنه “لحظة خطيرة في أوروبا”، لكنه دعا في الوقت نفسه للإصغاء إلى “الغضب والمخاوف والهواجس” لدى الناخبين، مؤكداً، كذلك، أن القومية وكراهية الأجانب ليستا الحل.
من الواضح، إذن، أن المسألة وفق هذه الرؤية لا تتعلق فقط بما إذا كان “البديل” سيحكم ساكسونيا-أنهالت، فالاختبار الحقيقي أمام ميرتس وحزبه هو ما إذا كان بإمكانهما استعادة ثقة الناخبين من دون أن تتحول مواجهة اليمين المتطرف إلى تبنٍ تدريجي لأجندته.
أما بالنسبة إلى أوروبا، فإن استمرار هذا الاتجاه قد يجعل اليمين المتطرف طرفاً دائماُ في صناعة السياسات، حتى في الدول التي لا يصل فيها إلى الحكم، وعندها قد يتغير المشهد الأوروبي ليس لأن اليمين المتطرف يحكم القارة، بل لأن الأحزاب الأخرى بدأت تتحرك وفق القضايا التي فرضها على جدول الأعمال.
أسرة التحرير






