بعد أكثر من ستة أشهر من الحرب، لم تعد آثارها في إيران تقتصر على مؤشرات الاقتصاد والأسواق، بل أصبحت حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، من تراجع قيمة الريال وارتفاع أسعار الغذاء إلى نقص الوقود وتراجع القدرة على الإنفاق، وفي المقابل، بدأت تداعيات الحرب تظهر في الولايات المتحدة بصورة مختلفة، مع تراجع الرضا عن أداء الرئيس دونالد ترامب، في وقت تقترب فيه انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني “نوفمبر”.
ففي إيران، أضافت الحرب ضغوطاً جديدة إلى اقتصاد يعاني أصلاً مشكلات متراكمة، وجاء قرار الحكومة رفع سعر البنزين للاستهلاك الذي يتجاوز 110 لترات شهرياً إلى 100 ألف ريال للتر، مع الإبقاء على الشرائح الأولى بأسعار أقل، ليعكس محاولة للحد من الاستهلاك وتخفيف الضغط على موارد الدولة من العملة الأجنبية.
لكن القرار يحمل في الوقت نفسه كلفة اجتماعية محتملة، وفق مصادر متابعة، نظراً إلى حساسية أسعار الوقود في إيران منذ احتجاجات عام 2019، إذ سبق للحكومة أن أرجأت الزيادة خشية ردود الفعل الشعبية، قبل أن تجد نفسها أمام ضغوط مرتبطة بنقص الإمدادات وعجز يومي في البنزين يقدر بنحو 14 إلى 15 مليون لتر.
ولابد من الإشارة هنا إلى أن الأثر الأوضح يظهر في ميزانية الأسر، فارتفاع أسعار الغذاء بوتيرة تفوق نمو الأجور دفع عائلات من الطبقة الوسطى والمحدودة الدخل إلى تقليص مشترياتها من اللحوم والفواكه والألبان، فضلاً عن خفض الإنفاق على الملابس والسفر والرعاية الصحية.
يتزامن ذلك مع تراجع حاد في قيمة الريال وارتفاع التضخم، بينما تشير المعطيات الواردة في المواد المرفقة إلى فقدان سوق العمل نحو 450 ألف عامل خلال عام، كما تواجه طهران ضغوطاً متزايدة على مصادر العملة الأجنبية، مع تراجع صادرات النفط وتشديد القيود الأميركية على قنوات التجارة والتحويلات المالية.
على الضفة المقابلة، في الجانب الأميركي، تبدو تداعيات الحرب أكثر اتصالاً بكلفتها السياسية والاقتصادية، فقد أصبح ارتفاع أسعار الطاقة عاملاً إضافياً في حسابات الإدارة الأميركية، في وقت يستعد فيه الناخبون لانتخابات التجديد النصفي التي يمكن أن تحدد مستقبل سيطرة الجمهوريين على الكونغرس.
بهذا الصدد، اظهر استطلاع لشبكة “ان بي سي نيوز” الاخبارية الأميركية تراجع نسبة الجمهوريين الذين قالوا إنهم “يؤيدون بشدة” أداء ترامب من 52 بالمئة في استطلاعات آذار ونيسان الماضيين إلى 41 بالمئة في الاستطلاع الأحدث، بينما بلغ التأييد الإجمالي لأدائه 36 بالمئة، وهي أدنى نسبة تسجلها استطلاعات الشبكة خلال ولايته الحالية.
وربما الأكثر دلالة أن التراجع طال تقييم الجمهوريين لطريقة تعامل ترامب مع الحرب نفسها، إذ انخفض التأييد القوي لإدارته للحرب 18 نقطة مئوية بين الجمهوريين، ليصل إلى 30 بالمئة، بينما تراجع بين مؤيدي حركة “ماغا” 21 نقطة إلى 43 بالمئة.
وتكشف هذه النتائج عن “فتور نسبي” في درجة الحماس داخل القاعدة الجمهورية، وفق مراقبين، ومع اقتراب الانتخابات النصفية، قد تكون المشاركة الانتخابية وقدرة الحزب على الحفاظ على تماسك مؤيديه أكثر أهمية من مجرد قياس التأييد العام للرئيس.
وهكذا، أنتجت الحرب نوعين مختلفين من الضغوط، ففي إيران، انتقلت تبعاتها بصورة مباشرة إلى الأسعار والدخل والاستهلاك وقدرة الدولة على تأمين احتياجاتها، أما في الولايات المتحدة، فتظهر الكلفة بصورة أكثر تدريجية من خلال أسعار الطاقة وتقييم الناخبين لأداء الإدارة.
وبينما تحاول طهران احتواء أثر الأزمة عبر ضبط استهلاك الوقود وحماية مواردها المحدودة، يواجه ترامب اختباراً مختلفاً يتمثل في إقناع قاعدته بأن إدارة الحرب لا تتعارض مع مصالحها الاقتصادية والسياسية، وفي الحالتين، لم يعد الاقتصاد هامشاً في المشهد العسكري، بل أصبح أحد المساحات الرئيسة التي تقاس فيها قدرة كل طرف على الاستمرار.
أسرة التحرير






