لم تتوقف موجة التضامن السورية مع اليمن عند حدود التعاطف مع تطورات المعارك، بل تحولت خلال الأيام الأخيرة إلى حملة رقمية استخدمت الرموز الثقافية اليمنية للتعبير عن موقف سياسي وشعبي واضح، قبل أن تنتقل إلى السعودية ودول خليجية وعربية، وتتحول صور الزي اليمني إلى رمز لمساندة الشعب والجيش اليمني في مواجهة ميليشيا الحوثي.
وبدأت الحملة من منصات سورية، حيث نشر ناشطون وإعلاميون ومحللون وشخصيات عامة صوراً لهم بالثوب والشال والجنبية اليمنية، استخدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج عدد منها، ولم تكن الصورة هي الرسالة الوحيدة، إذ رافقتها منشورات ركزت على استعادة الدولة ومؤسساتها والقرار الوطني، وعلى حق اليمنيين في تحديد مستقبل بلادهم بعيداً عن سيطرة الميليشيات والتدخلات الخارجية.
وتحمل المبادرة بعداً يتجاوز التفاعل مع تطور عسكري آني، فالسوريون الذين شاركوا فيها استحضروا مواقف يمنية سابقة تجاه سوريا، وخصوصاً الاحتفاء الشعبي اليمني بالتحرير الذي شهدته البلاد في الثامن من كانون الأول 2024، لذلك قدم كثير من المشاركين حملتهم باعتبارها “رداً للجميل”، في حين أعاد آخرون ربطها بتجربة البلدين مع الحرب والتهجير وتفكك مؤسسات الدولة وصراع القوى المحلية والإقليمية.
وتبرز في هذا السياق مفارقة ثقافية لافتة تعكس عمق التفاعل بين المجتمعين، فالأغنية التي قدمها فضل شاكر للسوريين بعد سقوط النظام البائد بعنوان “الشام فُتحت”، والتي انتشرت على نطاق واسع، كتبت كلماتها الشاعرة اليمنية جمانة جمال، ونشرت أبياتاً منها في نهاية كانون الأول 2024، ويعيد تداول هذه المعلومة اليوم تقديم العلاقة السورية- اليمنية باعتبارها شبكة من التفاعلات الثقافية والوجدانية، لا مجرد علاقة سياسية بين دولتين.
في المقابل، تلقى الموقف السوري استجابة يمنية رسمية وشعبية، حيث أعلن وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني امتنانه للحملة، معتبراً أن ظهور السوريين بالزي اليمني ومشاركتهم اليمنيين فرحتهم وأملهم يعكس رابطة أخوة بين شعبين عرفا القمع وتدخل أذرع إيران، ويعرفان قيمة استعادة الدولة والقرار الوطني، كما أكد أن ما يجمع اليمن والشام “أقوى من كل الحدود والمحن”.
والأهم أن الحملة لم تبق سورية، فبعد انطلاقها في سوريا، ظهرت صور مماثلة لشخصيات ومؤثرين في السعودية وعدد من دول الخليج، وتحول الزي اليمني إلى رمز رقمي عابر للحدود، وبذلك انتقل التضامن من رسائل فردية إلى اتجاه عربي أوسع، تتقاطع فيه المواقف حول دعم مؤسسات الدولة اليمنية واستعادة الاستقرار وإنهاء سطوة الميليشيات.
وهكذا تحوّلت الحملة السورية من تفاعل رقمي مع أحداث اليمن إلى مسار تضامن عربي متسع؛ بدأ بصورة لسوري يرتدي الزي اليمني، ثم انتقل إلى رسائل ومواقف سياسية وشعبية، وصولاً إلى مشاركة خليجية وعربية، وفي هذا المسار، بدا أن التجارب المتقاربة بين الشعوب قادرة على إنتاج خطاب تضامن يتجاوز الحدود الرسمية ويعيد بناء الروابط العربية من المجال الشعبي.
أسرة التحرير








