تشهد الساحة السياسية في المملكة المتحدة مرحلة دقيقة تتسم بتصاعد الضغوط على حكومة رئيس الوزراء كير ستارمر، في وقت كان يُفترض أن يشكّل وصوله إلى السلطة نقطة تحوّل نحو الاستقرار بعد سنوات من الاضطراب، غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى مسار معاكس، يعيد طرح تساؤلات جوهرية حول قدرة النظام السياسي البريطاني على استعادة توازنه.
فمنذ استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي “بريكست” عام 2016، دخلت بريطانيا في دوامة من التغيّرات السياسية السريعة، انعكست في تعاقب ستة رؤساء حكومات خلال أقل من عقد، وهذه الوتيرة غير المسبوقة تقوّض، وفق مراقبين، الصورة التقليدية لبريطانيا كواحدة من أكثر الديمقراطيات استقراراً، وتكشف عن تحوّل بنيوي في العلاقة بين السلطة السياسية والرأي العام.
في هذا السياق، تبدو حكومة ستارمر أمام اختبار حقيقي، فنتائج الانتخابات الفرعية الأخيرة، التي جاءت مخيبة لحزب العمال، أضعفت موقعه داخلياً، بينما تعكس دعوات الاستقالة المتزايدة من داخل الحزب ذاته عمق الانقسام، وهذا التصدّع لا يقتصر على خلافات سياسية تقليدية، بل يعكس تراجعاً في الثقة بقدرة القيادة الحالية على تحقيق وعودها، وخصوصاً في الملف الاقتصادي.
فالاقتصاد يشكّل محور الأزمة، فمع معدلات نمو متواضعة تراوح بين الصفر و1 بالمئة، تصبح قدرة الحكومة على المناورة محدودة للغاية، سواء في خفض الضرائب أو زيادة الإنفاق العام، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن هذا الواقع لا يرتبط فقط بأداء الحكومة الحالية، بل هو امتداد لتراكمات بدأت منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، مروراً بتداعيات “بريكست” ، وصولاً إلى آثار جائحة كورونا، ومع ذلك، فإن الرأي العام يميل إلى تحميل الحكومة القائمة مسؤولية النتائج المباشرة.
وإلى جانب التحديات الاقتصادية، يبرز عامل آخر لا يقل أهمية، وهو تغيّر سلوك النخب السياسية والبرلمانية، فحسب المراقبين، أصبح النواب “أكثر اندفاعاً وأقل صبراً”، مدفوعين بضغط استطلاعات الرأي والتغطية الإعلامية المكثفة، ليجعل هذا المناخ اتخاذ قرارات غير شعبية أمراً محفوفاً بالمخاطر، ويحدّ من قدرة الحكومة على تنفيذ سياسات طويلة الأمد.
في المقابل، يفتح هذا المشهد الباب أمام صعود قوى سياسية بديلة، أبرزها التيارات الشعبوية التي تستثمر في حالة الإحباط العام، وهو ما يثير مخاوف من أن يؤدي استمرار حالة عدم الاستقرار إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية البريطانية بشكل جذري خلال السنوات المقبلة.
ونتيجة لذلك، تبدو أزمة حكومة ستارمر تعبيراً عن خلل أعمق في بنية النظام السياسي، حيث تتقاطع الضغوط الاقتصادية مع التحولات المجتمعية والتغيرات في سلوك الفاعلين السياسيين، وبينما يبقى السؤال مفتوحاً حول مصير الحكومة الحالية، فإن الأكيد أن بريطانيا تواجه لحظة مفصلية قد تعيد تعريف مفهوم الاستقرار السياسي فيها.
الوطن – أسرة التحرير






