يرى الدكتور عبد الرحمن محمد أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد في جامعة حماة أن التحليل الاقتصادي والمالي للواقع السوري الراهن يشير إلى فشل فرضية تطبيق نموذج الاقتصاد الحر بشكل مباشر.
وقال في حديثه للوطن: ففي ظل بنية تحتية مدمرة، ومؤسسات دولة منهكة، وفقر مدقع، وانعدام الثقة بالعملة الوطنية، فإن ترك الأمور لقوى السوق وحدها سيؤدي إلى احتكارات كارثية، وانهيار أكبر للطبقة الوسطى، واستمرار تآكل القدرة الشرائية.
واستعرض محمد السبب لعدم مناسبة الاقتصاد الحر، والذي يفترض وجود حد أدنى من مقومات السوق، كالاستقرار النقدي ووجود عملة تحتفظ بقيمتها وتسمح بالتخطيط طويل الأجل، وهذا غير متوفر في سوريا، والمنافسة الكاملة أو القريبة منها، بينما الواقع السوري يهيمن عليه اقتصاد الريع والوساطة والاحتكار (الاقتصاد الريعي والموزع)، إضافة للبنية التحتية والمؤسساتية ووجود نظام مصرفي فعال، وقضاء تجاري، وقوانين ملكية واضحة، وهي كلها إما مدمرة أو غير فاعلة، إلى جانب شبكات أمان اجتماعي إذ إن قدرة الدولة على حماية الفئات الأفقر من صدمات السوق، مفقود ة تماماً.

معتبراً أن تطبيق اقتصاد حر في هذا الفراغ سيؤدي إلى “فشل سوقي” شامل، حيث يلتهم القوي الضعيف، وتتركز الثروات في أيدي فئة قليلة مرتبطة بتجارة العملة والتهريب، ويتحول المواطن العادي إلى مجرد متفرج على انهيار قيمة دخله.
واقترح أستاذ الاقتصاد نموذجاً انتقالياً برأيه يناسب الواقع السوري هو “اقتصاد إعادة البناء والإنعاش”، وهو نموذج هجين يركز على تدخل قوي ومؤقت للدولة بهدف خلق الحد الأدنى من الاستقرار والعدالة الاجتماعية، تمهيداً لتهيئة البنية التحتية المؤسسية والمادية لمرحلة لاحقة يمكن أن تشهد انفتاحاً اقتصادياً تدريجياً.
ولفت إلى أن هذا النموذج يستند إلى ثلاث ركائز أساسية تعمل بشكل متوازن دور الدولة المحوري حيث لا يمكن للدولة في هذه المرحلة أن تكون “حارساً ليلياً”، بل يجب أن تكون اللاعب الاقتصادي الأول مؤقتاً، وذلك من خلال سياسة نقدية صارمة وموحدة ويجب أن يكون للإصدار النقدي هدف وحيد هو تمويل الإنتاج وليس العجز، ما يعني إنهاء تعددية أسعار الصرف الرسمية التي تخلق فرصاً للمضاربة، والعمل على بناء احتياطي ولو بسيط من العملة الصعبة لدعم الليرة السورية بشكل تدريجي وواقعي.
بالتزامن مع إعادة هيكلة الدعم عبر تحويل الدعم من الدعم العشوائي للسلع (الذي يستفيد منه الغني والفقير) إلى دعم نقدي مشروط للفئات الأفقر (الـ 90%)، يُصرف عبر بطاقة شبيهة ببطاقة التموين ولكن بآلية أكثر ذكاءً، وهذا يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه ويخفض كتلة الإنفاق الحكومي غير المجدي، والاستثمار العام المباشر فعلى الدولة أن تبدأ مشاريع صغرى ومتوسطة كثيفة العمالة (كإعادة تأهيل البنية التحتية، وشبكات المياه والكهرباء، وترميم المدارس). هذا يمتص البطالة ويضخ أموالاً في السوق المحلية مباشرة.
والركيزة الثانية بحسب محمد الحماية الاجتماعية والإنتاج الزراعي (السيادة الغذائية) ففي بلد كان سلة غذاء المنطقة، الاعتماد على الاستيراد أصبح ترفاً لا يمكن تحمله، وذلك يتم عبر دعم المدخلات الزراعية إذ يجب أن تتدخل الدولة بشكل مباشر لدعم الفلاحين (بالبذار، والأسمدة، والمحروقات) مقابل شراء المحصول بأسعار تشجيعية، وهذا يخلق دورة إنتاج داخلية تحقق الأمن الغذائي وتخفض الطلب على الدولار للاستيراد، مع إحياء دور التعاونيات كصيغة اقتصادية اجتماعية تحمي المواطن من جشع التجار، فيمكن للتعاونيات أن تستورد السلع الأساسية وتوزعها بهامش ربح بسيط، ما يكسر احتكار المستوردين الكبار.
أما الركيزة الثالثة وفقاً لأستاذ الاقتصاد فهي الشراكة المعقولة مع القطاع الخاص (الانفتاح المُدارة) ليس الهدف طرد القطاع الخاص، بل تنظيمه وتوجيهه، وذلك عبر تقديم حوافز للصناعة المحلية كإعفاءات ضريبية لعدة سنوات للمصانع التي تعود للعمل وتوظف أيدي عاملة سورية، خاصة في قطاعات الصناعات الغذائية، النسيج، ومواد البناء، مع ضرورة ضبط الحدود ومكافحة التهريب فلا يمكن لاقتصاد وطني أن ينمو مع وجود حدود منفلتة تغرق السوق ببضائع رخيصة تقتل المنتج المحلي، فضبط الحدود هو حماية للصناعة الوطنية، إلى جانب تشجيع الاستثمار الأجنبي المشروط ولكن ليس في قطاعات الاستهلاك والتوزيع، بل في قطاعات البنية التحتية والطاقة والصناعات التحويلية الكبرى، وبشرط نقل التكنولوجيا وتشغيل العمالة المحلية.
ويرى محمد أن هذا النموذج هو الأنسب لأنه يخلق أرضية صلبة لأنه يركز على الإنتاج الحقيقي (زراعة، وصناعة) بدل اقتصاد الريع والمضاربة، ويحمي التماسك الاجتماعي عبر شبكة الأمان الاجتماعي والدعم النقدي، يمنع انهيار المجتمع بشكل كامل ويحافظ على ما تبقى من قدرة شرائية، كما أنه يهيئ للمرحلة التالية فنجاح هذا النموذج في خلق بنية تحتية ومؤسسات ومصانع عاملة هو وحده الذي سيسمح بعد 5-10 سنوات بالانتقال التدريجي نحو اقتصاد أكثر تحرراً وانفتاحاً.
وختم محمد بالقول: الاقتصاد المناسب لسوريا اليوم ليس شعاراً أيديولوجياً (لا رأسمالياً متوحشاً ولا اشتراكياً بيروقراطياً)، بل هو “اقتصاد إنقاذ وطني” أداته تدخل الدولة، وهدفه تمكين المواطن من العيش بكرامة، وغايته إعادة بناء القدرة الإنتاجية للبلاد، إنه اقتصاد المرحلة صفر، الذي يجب أن يسبق أي حديث عن الخصخصة أو تحرير الأسواق بشكل كامل.
.








