تدخل العلاقات السورية – الفرنسية مرحلة تاريخية مع الزيارة المرتقبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، في تحوّل يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه بداية إعادة تشكيل جذري لموقع سوريا داخل النظام الإقليمي والدولي، بعد سنوات طويلة من القطيعة والعزلة.
وتأتي هذه الزيارة على رأس وفد وزاري رفيع يرافقه وفد اقتصادي واسع يضم رجال أعمال ومستثمرين، في إشارة واضحة إلى أن باريس لا تتحرك في إطار دبلوماسي تقليدي، بل ضمن مقاربة شاملة تمزج بين السياسة والاقتصاد وإعادة التموضع الاستراتيجي في شرق المتوسط.
وفي هذا السياق، يقول الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية المهندس باسل كويفي في حديثه لـ”الوطن” إن زيارة ماكرون إلى دمشق تمثل لحظة كسر حقيقية في جدار العزلة السياسية التي فُرضت لسنوات، لكنها في الوقت نفسه إعلان غير مباشر عن دخول سوريا مرحلة إعادة تشكيل نفوذها الدولي من جديد.
ويضيف كويفي موضحاً أن ما يجري اليوم ليس عودة فرنسا إلى دمشق، بل عودة دمشق إلى طاولة القرار الدولي. من لا يفهم هذه اللحظة سيكتشف لاحقاً أن قواعد اللعبة في سوريا لم تعد كما كانت، وأن من كان يظن أن الملف السوري مُجمّد هو خارج الحسابات تماماً.
من القطيعة إلى إعادة التموضع
وأشار إلى أن العلاقات السورية–الفرنسية شهدت خلال الفترة الممتدة من نهاية 2024 وحتى منتصف 2026 تحولاً جذرياً، انتقلت خلاله باريس من سياسة العزلة والعقوبات إلى إعادة الانخراط التدريجي مع دمشق.
ففي يناير (كانون الثاني) 2025، قام وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو بزيارة دمشق برفقة نظيره الألماني، في أول تحرك دبلوماسي رفيع منذ إغلاق السفارة الفرنسية عام 2012.
وفي مايو (أيار) من العام نفسه، استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع في قصر الإليزيه، في خطوة اعتُبرت بمثابة اعتراف سياسي عملي بالسلطة السورية الجديدة.
تلت ذلك سلسلة من اللقاءات الأمنية والعسكرية، إلى جانب دعم فرنسي داخل الأطر الأوروبية لتخفيف جزئي للعقوبات، بهدف تحفيز التعافي الاقتصادي، بالتوازي مع انخراط باريس في ملفات حساسة تتعلق بوقف إطلاق النار وإعادة ترتيب التوازنات الأمنية الداخلية.
وأضاف إن زيارة ماكرون اليوم تأتي لتضع هذا المسار في ذروته، ناقلة العلاقة من مرحلة “إدارة الأزمة” إلى مرحلة إعادة صياغة النفوذ، وفق توصيف دبلوماسيين مطلعين.
الاقتصاد أولاً: سباق على إعادة الإعمار
تحمل الزيارة بُعداً اقتصادياً واضحاً، إذ تسعى فرنسا إلى تثبيت موقع متقدم في سوق إعادة الإعمار السوري، الذي يُتوقع أن يكون من أكبر أسواق ما بعد الحرب في المنطقة.
ويرافق الرئيس الفرنسي وفد اقتصادي واسع يستهدف قطاعات البنية التحتية والطاقة والموانئ والصحة، مع تركيز خاص على إعادة تفعيل دور الشركات الفرنسية في مشاريع استراتيجية، خصوصاً في المرافئ والخدمات اللوجستية.
ويُنظر إلى هذا التوجه على أنه محاولة فرنسية لموازنة النفوذ المتزايد لقوى إقليمية ودولية أخرى داخل سوريا، عبر الدخول من بوابة الاستثمار طويل الأمد والشراكات الاقتصادية بدل التدخل السياسي المباشر.
ويشير كويفي إلى أن المنافسة اليوم لم تعد سياسية فقط، بل اقتصادية بامتياز، ومن ينجح في تثبيت وجوده في مرحلة الإعمار سيحدد شكل النفوذ لعقود قادمة.
لكن التحديات تبقى كبيرة، في ظل هشاشة البنية المؤسسية، وضعف الاستقرار الأمني، وبطء عملية التعافي الاقتصادي بعد سنوات الحرب.
أبعاد سياسية وأمنية: إعادة تعريف الدور السوري
على الصعيد السياسي، تمنح الزيارة زخماً إضافياً للسلطة الانتقالية في دمشق، وتفتح الباب أمام نقاشات واسعة حول ملفات الأمن الإقليمي، وملف المقاتلين الأجانب، والهجرة غير النظامية نحو أوروبا.
وفي المقابل، تتمسك باريس بخطاب يقوم على ضرورة إطلاق عملية سياسية شاملة، وضمان تمثيل مختلف المكونات السورية، إلى جانب الدفع نحو آليات واضحة للمساءلة حول الانتهاكات التي شهدتها سنوات الحرب.
أما إقليمياً، فتسعى فرنسا إلى لعب دور موازن في الجنوب السوري، عبر الدعوة إلى خفض التصعيد وإعادة ضبط الترتيبات الأمنية في محيط الجولان، مع انخراط غير مباشر في ملفات متصلة بلبنان، خصوصاً الحدود واللاجئين وإدارة الموارد المشتركة.
سوريا بين توازنات إقليمية ودولية جديدة
إقليمياً، يرى كويفي أن الزيارة تعكس محاولة دمشق إعادة التموضع داخل شبكة معقدة من التوازنات، حيث يتقاطع النفوذ التركي مع الحضور الأميركي والدور العربي المتجدد، في وقت تحاول فيه باريس تقديم نفسها كقوة أوروبية قادرة على لعب دور الوسيط وضبط الإيقاع الإقليمي.
أما دولياً، فتشير الزيارة إلى عودة فرنسا إلى واجهة الفاعلين في الملف السوري، ضمن تحوّل أوروبي أوسع من سياسة إدارة الأزمة إلى سياسة الانخراط في إعادة بناء الدولة.
اختبار التحوّل الحقيقي..
رغم الزخم السياسي الكبير الذي تحمله زيارة ماكرون، فإن التحدّي الحقيقي يبقى في القدرة على تحويل التفاهمات السياسية إلى نتائج ملموسة على الأرض، تنعكس على حياة السوريين عبر فرص عمل وتحسّن في الخدمات وإعادة بناء الاقتصاد.
فبينما تبدو الزيارة خطوة متقدّمة في إعادة إدماج سوريا دولياً، فإن مستقبلها سيُحسم بمدى نجاح الأطراف في الانتقال من لغة التصريحات إلى لغة التنفيذ، في سياق إقليمي لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعدّدة.






