لا تبدو الاعتقالات المتلاحقة لرموز النظام البائد في سوريا مجرد تطورات أمنية مرتبطة بملاحقة مطلوبين أو تصفية حسابات مع الماضي، بل أقرب إلى إعلان غير مباشر عن دخول الدولة السورية مرحلة “الحسم المؤسسي”؛ أي الانتقال من إسقاط النظام سياسياً وعسكرياً إلى تفكيك بنيته العميقة التي ظلت لعقود متغلغلة داخل الأمن والاقتصاد والإدارة وشبكات النفوذ المحلية والإقليمية.
فالدول لا تنهار فقط بسقوط رأس السلطة، بل غالباً تستمر “الدولة العميقة” في العمل بأشكال مختلفة، عبر شبكات المصالح والسلاح والتهريب والاختراق الأمني، وهذا ما واجهته تجارب دولية عديدة بعد الحروب أو التحوّلات الكبرى، من ألمانيا بعد سقوط النازية، إلى إيطاليا بعد الفاشية، مروراً بالبوسنة ورواندا وحتى كولومبيا بعد الحرب الطويلة مع الجماعات المسلحة.
ففي ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية، لم يكن نجاح الدولة الجديدة قائماً فقط على إعادة الإعمار الاقتصادي، بل على تفكيك البنية النازية داخل الجيش والأمن والقضاء والإعلام، ورغم الجدل الواسع الذي رافق تلك العملية، فإنها أسست لاحقاً لدولة مستقرة وقادرة على منع عودة الشبكات القديمة إلى الحكم أو التخريب.

وفي رواندا، أدركت السلطة الجديدة أن المصالحة لا يمكن أن تنجح من دون تفكيك الشبكات المسلحة والخلايا التي كانت قادرة على إعادة إنتاج العنف، لذلك جرى الدمج بين العدالة والأمن وإعادة بناء المؤسسات، حيث أصبحت الدولة لاحقاً واحدة من أكثر الدول الإفريقية استقراراً من الناحية الأمنية.
بالمقابل هناك تجارب قدمت النموذج المعاكس؛ عبر تفكيك المؤسسات الوطنية بطريقة فوضوية وغير مدروسة ما أوجد فراغاً أمنياً هائلاً، وفوضى لشبكات مسلحة تحوّلت إلى قوة مضادة، ومن هنا تبدو دمشق اليوم أكثر حذراً في التعامل مع ملف الفلول، عبر محاولة الفصل بين من تلطّخت أيديهم بالدماء والانتهاكات، وبين من كانوا جزءاً من مؤسسات الدولة بحكم الخدمة الوظيفية.
ضمن هذا السياق، يمكن قراءة التحركات الأخيرة لوزارة الداخلية السورية، فالرسالة الأساسية ليست فقط أن الدولة قادرة على الوصول إلى شخصيات عسكرية وأمنية كبيرة، بل إنها نجحت في بناء منظومة معلوماتية واستخبارية جديدة، تعتمد على الأرشيفات والبيانات والتعاون المجتمعي والتنسيق الإقليمي، وهو ما يشكل العمود الفقري لأي دولة تحاول استعادة احتكارها للسلاح المشروع.
والأهم أن هذه العمليات تكشف تحوّلاً أعمق في العلاقة بين المجتمع والدولة، فخلال سنوات الثورة، كانت قطاعات واسعة من السوريين تنظر إلى الأجهزة الأمنية بوصفها أدوات للقمع مرتبطة بالنظام البائد، أما اليوم فهناك محاولة لإعادة تعريف وظيفة الأمن على اعتباره أداة لحماية الاستقرار العام ومنع الفوضى، وهذه النقطة تحديداً كانت حاسمة في تجارب دول مثل البوسنة وجنوب إفريقيا، حيث لم يكن ممكناً بناء الاستقرار من دون إعادة إنتاج شرعية المؤسسات الأمنية.
كذلك، تدرك دمشق أن ملف الفلول لم يعد قضية داخلية فقط، بل أصبح متشابكاً مع التوازنات الإقليمية، فوجود ضباط وشبكات مرتبطة بالنظام البائد لدى الجوار، يعني أن أي فراغ أمني يمكن أن يتحوّل إلى بوابة لاختراقات خارجية، سواء عبر شبكات تهريب السلاح والمخدرات، أم عبر محاولات إعادة تشكيل نفوذ إقليمي باستخدام بقايا النظام البائد.
ومن هنا، تبدو الحملة الأمنية لوزارة الداخلية جزءاً من مشروع سياسي أوسع لإعادة تأسيس الدولة السورية على قاعدة جديدة: احتكار السلاح، ضبط الحدود، تفكيك اقتصاد الحرب، ومنع تشكّل مراكز قوة موازية للمؤسسات الرسمية، لكن نجاح هذا المسار يبقى مشروطاً بمعادلة دقيقة للغاية؛ عبر بناء نموذج عدالة انتقالية قادر على تحقيق التوازن بين المحاسبة والاستقرار، وتحويل هذا الإنجاز الأمني إلى استقرار دائم قائم على القانون والمؤسسات.
الوطن – أسرة التحرير








