سوريا اليوم ليست مجرد دولة خرجت مثقلة من حرب طويلة، بل هي في نظر القوى الدولية والإقليمية، ساحة يعاد عبرها رسم شكل الشرق الأوسط المقبل، وعليه يكتسب تصريح المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، في منشور على حسابه في “إكس” اليوم الأحد بأن سوريا أصبحت مختبراً لبلورة اصطفاف إقليمي جديد قائم على الدبلوماسية والتكامل والأمل، أهمية تتجاوز دلالته الدبلوماسية المباشرة.
الكلمات التي اختارها الرجل لا تعكس فقط تبدلاً في اللغة السياسية الأميركية، بل تكشف أيضاً عن تحول أعمق في مقاربة المنطقة، من منطق الحروب المفتوحة والمحاور المتصارعة، إلى محاولة بناء توازنات أكثر مرونة، تقوم على المصالح والتسويات والتكامل الاقتصادي.
فعلى امتداد أكثر من عقد، ارتبط اسم سوريا بالحرب والانهيار والتنافس الدولي الحاد، وتحولت أراضيها إلى ساحة مفتوحة لصراعات النفوذ الإقليمي والدولي، غير أن الحديث الأميركي اليوم عن “مختبر” لإنتاج اصطفاف جديد، يوحي بأن المقاربة لم تعد تقتصر على إدارة الأزمة أو احتواء تداعياتها، بل باتت تتجه نحو استخدام الحالة السورية كمنصة لإعادة تركيب المشهد الإقليمي بأكمله.

لقد شكل الموقع الجغرافي لسوريا عبر التاريخ أحد أهم عناصر قوتها وتأثيرها، فسوريا تقع في قلب المشرق العربي، وتشكل نقطة وصل بين آسيا وأوروبا، وبين الخليج العربي والبحر المتوسط، كما أنها تتقاطع جغرافيا مع أربع دوائر استراتيجية شديدة الحساسية، تركيا شمالاً، والعراق شرقاً، والأردن جنوباً، ولبنان وفلسطين غرباً، وهذا الموقع جعلها تاريخياً معبراً تجارياً وحضارياً، كما جعلها في الوقت نفسه عقدة أساسية في معادلات الأمن والطاقة والنفوذ في المنطقة.
ومن الناحية الجيوسياسية، تمثل سوريا بوابة طبيعية للنفوذ نحو شرق المتوسط، كما تشكل ممراً حيوياً لمشاريع الطاقة وخطوط النقل والتجارة الإقليمية، ولذلك لم يكن الصراع عليها مجرد نزاع داخلي، بل كان انعكاساً لصراع أوسع على شكل الشرق الأوسط وتوازناته المستقبلية، فالقوى الإقليمية والدولية التي انخرطت في الملف السوري كانت تدرك أن من يمتلك التأثير في سوريا، يمتلك قدرة أكبر على التأثير في مجمل معادلات المنطقة.
يحمل وصف سوريا بـ”المختبر” معنى سياسياً يتجاوز المجاز اللغوي، فالمختبر هو المكان الذي تختبر فيه الفرضيات، وتجرّب فيه النماذج الجديدة، وفي السياق السياسي، تبدو سوريا وكأنها تحولت إلى حقل اختبار لمعادلات إقليمية مختلفة عن تلك التي حكمت المنطقة خلال العقدين الماضيين.
اللافت في تصريح باراك أنه لم يتحدث عن “الردع” أو “المواجهة” أو “الحرب على الإرهاب”، وهي المفردات التي طبعت الخطاب الأميركي طويلاً، عند الحديث عن سوريا، بل استخدم تعبيرات من قبيل الدبلوماسية والتكامل والأمل، وهذا التحول اللغوي يعكس، إدراكاً متزايداً بأن مرحلة الصدامات المفتوحة استنزفت الجميع، وأن المنطقة تتجه تدريجياً نحو مقاربات أكثر براغماتية، تقوم على احتواء الخلافات بدل تفجيرها.
أما الحديث عن “التكامل”، فيحمل بوضوح أبعاداً اقتصادية وسياسية، تتصل بإعادة دمج سوريا في محيطها العربي والإقليمي، فبعد سقوط النظام البائد، ظهرت مؤشرات متزايدة على رغبة عدد من الدول العربية في تجاوز مرحلة القطيعة، والانفتاح التدريجي على دمشق، انطلاقاً من قناعة بأن استمرار العزلة لم يحقق الاستقرار المنشود.
ومن هذا المنظور، قد تتحول سوريا مستقبلاً إلى نقطة عبور لمشاريع اقتصادية وإقليمية تتعلق بالطاقة والنقل وإعادة الإعمار، بما يربط استقرارها بمصالح مباشرة لجوارها العربي.
من نافلة القول، إن تصريح باراك يعكس إدراكاً متزايداً بأن الشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة تموضع كبرى، وأن سوريا، بحكم موقعها الجغرافي، قد تكون الساحة الأكثر تعبيراً عن هذا التحول.
الوطن- أسرة التحرير








